والمصاهرة، فإن الأمر يصبح أكثر وضوحا، فكما يقول وارنر فإنه من المستحيل في بعض الحالات
أن ينتمي أي فرد تلقائيا لطبقة معينة، ووصل الأمر بلويد وارنر إلى حد أنه افترض أن الأهالي
يدركون ويفطنون إلى العلاقات البعيدة جدا بالنسبة لنظام القرابة، داخل أنموذج أو طرز
«مورنجن»، الذي انتهى به إلى علاقات رياضية أو قوانين، أثارت الكثير من الجدل، كنظام محقق
لحاجات ومطالب الزواج والنظام الطبقي، على اعتبار أن أولهما في خدمة الثاني. •••
وكما هو واضح يتبدى مدى تأثير المجتمع الأموي داخل تراثنا العربي والسامي بعامة، والعبري
- من حيث الدلالة اللغوية الأنثولوجية - نظرا لأن التعريف السائد لليهودي إلى اليوم داخل
إسرائيل المعاصرة، هو من جاء من رحم أم يهودية.
وتنقصني معلومات عن نظام التوريث والميراث الإسرائيلي، ذلك أن خط التوريث شديد الارتباط
بسيادة مجتمع نوعي ما، سواء كان أبويا أو أمويا، كذلك يرتبط التقويم بهذه السيادة، ومن
المعروف أن الارتباط - بالتقويم - القمري عند كلا العرب واليهود الساميين ما يزال إلى اليوم
تقويما قمريا مثل السنة أو التقويم الهجري القمري، المرتبط بالقمر ورؤية الهلال عند كلا
المجتمعين - البدويين - الساميين.
وفي حالة التوريث يمكن الرجوع إلى فكرة الفصل بين الأبوة البيولوجية والأبوة الاجتماعية،
كما حققها إلى حد الحسم مالينوفسكي خلال دراسته الميدانية على بعض قبائل أستراليا وسكان جزر
الثروبرياند في غينيا الجديدة - قبل أن تحقق انقلابها الثقافي الحضاري الأخير - حيث إن
الرجل لا علاقة له بإنجاب الأطفال، ولا يعتبر أبا، بل مجرد زوج للأم، كل دوره هو أن «يحمل
الطفل بين ذراعيه» ويرعاه ويحميه، ومن هنا لا يرث الابن أباه، بل إن وريث الأب هنا يشترط أن
يكون ابن أخته، فالتوريث يتم عن طريق سلالة الأم، وبذلك يرث الرجل خاله وليس أباه، كما أنه
يورث أولاد أخته وليس أولاده.
كذلك لاحظ مالينوفسكي وغيره داخل هذه المجتمعات الأمومية أن في مقدور أي فرد أن يذكر
سلسال انتسابه الأموي حتى الجيل الثالث عشر، دون أن يحفظ ويتذكر أكثر من ثلاثة أجيال أبوية.
1
ويمكن القول بالنسبة لعالمنا العربي أن كلا التوريث والانتساب للجدود يسير في خطين، صحيح
أن السلطة للرجال في هذا المجتمع الذكوري، إلا أن الجنة تحت أقدام الأمهات، إلا أنه من حيث
الميراث والتوريث يسير في خطين.
وكان لريموند فيرث سبق التوصل والتبصير بهذه الطريقة الثالثة التي لا هي بالأبوية
الذكورية، ولا هي بالأمومية الأنثوية، وإنما هي تجمع بين النظامين، وعرفها فيرث بالقرابة
المزدوجة؛ أي التي يمكن تتبعها إلى أناس آخرين عن طريق كل من الأب والأم، كما يمكن تتبع
ملامحها عبر مختلف الطرق والأبنية أو المداخل، من لغوية، واقتصادية، أو قرابية تتصل
بالميراث والتوريث، بالإضافة إلى رواسب نظام التابو والطوطمية.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أنه من الصعب علينا كمجتمعات عربية أبوية، تصورنا لإمكان
استمرار مجتمعات أخرى كثيرة مخالفة يتم نقل السلطة والامتيازات فيها عن طريق الأم، أو
السلسال الأموي، وهو ما يحدث فعلا عند كثير من الشعوب خصوصا البدائية في ميلانيزيا وشمال
أميركا وقبائل وسط أفريقيا وشمال روديسيا وكثير من الولايات الهندية وجزر الهند الشرقية
عامة.
وتذكر مسز أودري ريتشاردز التي سجلت دراساتها الميدانية الأنثروبولوجية داخل قبائل
البامبيا في شمال روديسيا، أن الحكومة العنصرية شجعت عن طريق الإرساليات منع انتساب الشبان
إلى أمهاتهم، وتشبها بالأقلية الإنكليزية، عليهم أن ينتسبوا لآبائهم.
كما أن رحيل الرجال للعمل في مناجم النحاس قضى على عادة أو نسق مبدأ إقامة الرجل في موطن
زوجته، وحتمية أن يجيء من قريته الأصلية وهي المكان الذي ولدت فيه أمه وأخواله.