الأبنية الاجتماعية في تساندها الوظيفي من الاقتصادية والسياسية، بل إن في دراسة أي نسق أو
بنية اجتماعية على حدة، خاصة أضلاع هذا المثلث الثلاثة التي تتحكم في المجتمع - أي مجتمع -
من قرابية واقتصادية وسياسية، لن تحقق غايتها إلا في تساندها مع بقية الأنساق.
فدراسة أي نسق لا يصح أن تجري بمعزل عن بقية الأنساق والأبنية التي تؤلف البناء الاجتماعي
كنسق متكامل هدفه تحقيق التساند الوظيفي والطبقي، وهو ما عرفه دوركايم بالتركيبات
المورفولوجية، وعرفه ماركس بالتركيبات السفلى والتركيبات العليا.
ومن السهل تصور أن التركيبات العائلية بل لنقل القبائلية، تتبدى بوضوح في - نص - نعي
الميت من تشابك أو اتصالات عائلية أو قبيلية أو بدنته أو فخذته أو بقية الأعضاء العائلية
القبائلية يقود إلى شجرة العائلة - أو نخلتها - عند العرب الساميين.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن في دراسة البناء القرابي في علاقاته المتبادلة مع بقية
الأنساق، تبصير البنية الطبقية الاقتصادية والسياسية، كما قلنا.
ومن هنا فليس مدخلنا إلى دراسة النسق القرابي، على مستوى العالم العربي أو المنطقة
السامية، بهدف التوصل إلى نتائج عنصرية أو إزكاء النعرات القبائلية الطوطمية في معظم
حالاتها.
وهو ما تتوسع فيه الدراسات العبرية اليهودية، ربما بإيقاع قرن إثر قرن منذ كوزمولوجي سفر
التكوين - إصحاح 4 - بدءا بآدم أبي البشر «يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمله»
فأبناؤه من بنين وبنات حتى نعمة أو نعيمة في البلاد الشفاهية الشعرية - ثم سلسال نوح
وأبنائه وأخصه سام أو شام المطلق على بلاد الشام والساميين بعامة وما توالى من نسله، لحين
بنيان مدينة بابل، حين قال بعضهم لبعض: «هلم نصنع لبنا ونشويه شيا، فكان لهم اللبن محل
الحجر، وكان لهم الحجر مكان الطين» لحين تبلبل الألسنة خلال بناء برج بابل.
فيلاحظ هنا أنه بالنسبة للكوزمولوجي السامي، أو نسق القرابة، تبدأ شجرة العائلة، منذ آدم،
حتى تارح - الذي يجمع الكثيرون على أنه طوطم سلف - ونوح، منسقا ومقربا بين حضارات النسل
السامي، وخارجه مثل عيلام - أبو العيلاميين - وكاشور، وآرام، وابني عامر فاتح وأخيه يقطان،
الذي هو بذاته قحطان أبو العرب اليمنيين القحطانيين، ملوك دول سبأ ومعين وابنه
حضرموت.
وقحطان طبعا ما يزال يتردد إلى اليوم، وإليه تنسب عديد من القبائل العربية سواء في
اليمن والجنوب العربي، أو في بقية أقطار عالمنا العربي المعاصر.
بل لقد ظل نسق القرابة متواصلا داخل التراث العربي متواترا، وتصر على تدعيمه وإحيائه
كثير من القبائل العربية الحاكمة، خاصة في الكويت والسعودية واليمن والجنوب العربي.
ومرة ثانية، من مدخل تنشيط دراسات نسق القرابة وعلى مستوى بلداننا العربية بهدف استيضاح
البنيان الطبقي والقبلي، لا بهدف التأصيل العنصري المفضي بالضرورة إلى الفاشية، ستوقفنا مثل
هذه الدراسات على واقع بنياننا السكاني.
فليكن الهدف هنا هو الدخول إلى أحد ميادين العصر الكبيرة، وهو ميدان الاتصال.
فكما يقول شترواس: «يجب أن تخضع دراسة القرابة والزواج لبعض المناهج التي تنبع مباشرة من
نظرية الاتصال.»
ولعل الملمح الأساسي لتقدم الأنثروبولوجيا الاجتماعية منذ القرن الماضي، كانت زيادة
الانتباه إلى البناء أو النسق القرابي، ويرجع هذا التقدم إلى عبقرية لويس مورجان في كتابه
الرائد في هذا الميدان عن «أنساق روابط الدم والمصاهرة في العائلة الإنسانية» عام 1871،
وساهمت هذه الدراسة في وضع أسس الدراسات الأنثروبولوجية والقرابية، إلى أن اكتملت هذه
الدراسات في علوم الاتصال، ثم ما تلا ذلك من جهود العلماء الاجتماعيين في هذا المجال البكر،
مثل لوفي عام 1948، ومردوك عام 1949، وسبوشر عام 1950، ودراسة العالمين الكبيرين راد كليف