والبدنة كما يعرفها الأستاذان إيفانز برتشاد وفورتس؛ وحدة دائمة تظل موجودة على مر
الأجيال نتيجة لانضمام أفراد جدد إليها، أو تركهم لها بالموت أو أي سبب آخر، فالبدنة جماعة
ترد انتسابها إلى جد واحد في خط واحد، ومنها يستمد الشخص مركزه السياسي والقانوني.
فيلاحظ أن نظام القرابة يهتم بدراسة العلاقات بين الجماعات القرابية كالبدنات وفروعها
والعائلات الكبيرة؛ من حيث هي جماعات، بغض النظر عن القرابة الفعلية بين الأفراد.
وعلى سبيل المثال، فإن قريشا وكنانة ما هما إلا بدنتين من مضر.
ومن العمارة أو البدنة تجيء البطن، مثل بني عبد مناف من قريش، ومن البطن يجيء الفخذ، ومن
الفخذ تجيء القبيلة، مثل بني العباس من هاشم أو الهاشميين وهكذا.
وإذا ما عدنا إلى الاستشهاد ببعض النماذج القرابية للهلالية، نجد أن العصب القبائلي الأم
الممثل في صراعي عدنان وقحطان داخل التحالف، ينعكس على المستمعين الذين قد يتحمس العدنانيون
منهم لخوارق أبي زيد الهلالي، والقحطانيون منهم للجد الزناتي خليفة، وابنته سعدى وابنة
العلام.
بل إن السيرة تحفظ لقاتل الزناتي خليفة وهو قحطاني سلف بدوره، لهجرة يمنية سالفة - تابو -
أن قاتله لا بد وأن يكون قحطاني مثله.
لذا كان قاتله هو دياب بن غانم، وهو القحطاني الذي لقبه الشعب المصري، نظرا لغدره
وعصبيته ب «الزغبي»، ومنه تواتر مثل «هو أنت زغبي»؛ كما يقول د. عبد الحميد يونس.
كذلك يتضح في السيرة تقديس الخال عند القبائل العربية القمرية - الهلالية، مثل تقديس
الشبان الثلاثة مرعي ويحيى ويونس لخالهم أبي زيد، ومثل تعرف كلا من سعدى ومي على خالتهم -
الجدة - شوه، التي قد تكون طوطما أو مزارا سالفا، مثلها مثل الجازية، التي أتصور أنها
كانت بمثابة إلهة قمرية، أو طوطم لمجموع القبائل المهاجرة المتحالفة.
كذلك يتضح مدى تقديس الخال المتواتر إلى اليوم المشاع بكثرة في الحواديت والشعر الشعبي
مثل:
يا عم يا للي بلا خال
تعال أعملك خالي
وأحط قلبي السليم
على قلبك الخالي.
وكذا مسبة من لا خال له.
وهو ما تغرق فيه اليوم القبائل العبرية، السامية، التي انتهت في اليهودية، وتعريفها
التشريعي الرسمي داخل إسرائيل إلى اليوم في تعريف اليهودي، وهو كل من يولد من أم - وليس
أبا - يهودية.
وبحسب نظرية التوالد الذاتي للموضوعات التي كان تيلود أول من أشار إليها، وسماها
بالمورثات أو الروحانيات أو الأنيمزم بمعنى إضفاء صفة الروحية على مظاهر الطبيعة المحيطة
بالإنسان داخل مجتمعه، مثل تقديسه لأماكن بعينها، قد تكون أضرحة لطواطم، وقد تكون آبار ماء
- راكدة - وقد تكون أشجارا وأحجارا ومغارات وكهوفا وقمم جبال، وما ارتبط حولها من أساطير
وطقوس وتحريمات وحكايات، أو لنقل أساطير قديمة واصلت توالدها اليوم تحت جلد الحكايات
والأحجية، ويحضرني منها آلاف مؤلفة نذكر على سبيل المثال موالا - من نوع الصد والرد - يطرح
فيه قائله لغزا أسطوريا، أو قد تخالط الأسطورة التاريخ فيه؛ فيقول:
وإن كنت فنان وصاحب فن قوم هاتلي
أمارة عن أرض جت فيها الشمس مرة جات.
والمقصود مكان مسته الشمس ونفذت فيه أشعتها مرة واحدة، وهو يشير بالطبع إلى
حدث خروج القبائل الإسرائيلية من مصر، حين ضرب موسى بعصاه فانشق البحر، وكان أن مست الشمس
قاعه أو أرضه لمرة واحدة فقط.
كما أن منها مفاهيم وأمثلة وأحجية مثل: «الضربة الواحدة للرجل»، «ضربة الرجال ماتتناش»،
و«الثالثة ثابتة»، وعلاقتها بأساطير خلق العالم، حين بعث الله برسله الثلاثة لإحضار طين
العمق - اللازب أو الصلصال - لخلق الإنسان «يوم خلق الله الإنسان على شبه عمله» وكذا ما
يدور حول مفاهيم أشهر الحمل التسع، وخلق حواء من ضلع الرجل، والسبب في حيض النساء - بالوجع
تلدين أطفالا - وكذلك سيادة الرجل الذكر على الأنثى، والسبب في أن الكذب يسود الوجه، وكذا