الواحد، الذي يلتقي تحت لوائه المصري القديم، جنبا إلى جنب مع السوري - أو الآشوري -
واليمني القحطاني مع العربي العدناني في السعودية.
بل إنه وبنفس هذا المنهج يتلقانا العالم من حولنا، على خرائط وأطالس الفولكلور العالمية،
فلا تفرد هذه الأطالس دراسة مصر بمعزل عن العراق، ولا الشمال الإفريقي بمعزل عن دول الخليج
العربي، وهكذا.
فلقد أصبحت حقيقة لا تقبل الجدل، يقول بها عديد من علماء وشراح العالم القديم؛ وهي أنه
لكي نتفهم ونستكشف دور الحضارة المصرية الفرعونية - بفولكلورها وأساطيرها - على الوجه
الصحيح، يجب أن نتسلسل بادئين بدراسة حضارة وموروثات الشرق القديم عامة، والشرق الأدنى بشكل
أخص - أو مجموعة الشعوب السامية في إطار حضارة البحر الأبيض.
3
ويتحمس لهذا الرأي كثير من العلماء؛ منهم: برستد وجوردن تشايلد وأرنولد توينبي، والعالم
الأثري المصري أحمد فخري، والعالم العراقي الكبير د. جواد علي.
ففي الوقت الذي يجنح فيه توينبي إلى عدم جدوى البحث عن بقايا مصر القديمة خلال ثنايا مصر
المعاصرة، يرى كل من د. برستد، ود. أحمد فخري؛ أنه من المحتم معرفة حضارة الشرق القديم
مجتمعة، ثم الإفاضة أو التخصص في أي حضارة محددة من هذه الحضارات على حدة؛ مثل الحضارة
المصرية أو القحطانية أو العبرية أو الكنعانية الفينيقية، وهكذا.
وهو ما حاولت - جاهدا - الأخذ به والسير على هداه في محاولتي الدراسية هذه، المستهدفة
تعرف ملامح وموروثات شرقنا القديم أو مجموعة الأقوام السامية؛ بقصد تحديد دور ومكان
تراثنا المصري الفولكلوري منها.
ويمكن الجزم بأن الأخطاء أو المغالطات أو الغموض، الذي قد ينتاب أي حضارة مفردة منها؛
يؤثر في مجموع حضارات الشرق الأدنى القديم عامة.
ومعنى هذا أن ضياع المدونات التاريخية لبعض هذه الحضارات المتتاخمة يؤثر على بعضها الآخر،
أي إن غموض وعدم وضوح الحضارات القبلية القديمة لشبه الجزيرة العربية بقسميها الشمالي
الإسماعيلي العدناني الرعوي، في مكة والحجاز ونجد، والجنوبي القحطاني أو اليقطاني في اليمن
والجنوب العربي؛ يؤثر مباشرة في الحضارة المصرية القديمة المجاورة تأثيرا مباشرا، وكذا
يؤثر في حضارات الشام وفلسطين وما بين النهرين، وهكذا.
خلاصة القول أنه قد تعارف علماء الفولكلور والإنسانيات على النظر ودراسة عالمنا العربي
كمنطقة متجانسة التراث، تعرف بمنطقة الفولكلور والأساطير السامية، والسامية هنا تعريف لغوي
- أثنولوجي - أكثر منه تعريف جنسي؛ بمعنى أنه يتمثل في الأصول اللغوية المتجانسة أو الواحدة
التي تصل روافدها المبكرة إلى عشرات ومئات اللهجات، والتي اكتملت اليوم في العربية والعبرية
وبعض السريانية.
فلقد اتفق علماء الأساطير والفولكلور على تقسيم قارة آسيا إلى خمس مناطق متجانسة التراث،
أقربها إلينا منطقتان هما: منطقة الفولكلور والأساطير الآرية، وتضم الهند وفارس - إيران،
ومنطقة الفولكلور والأساطير السامية، وهي تشمل الشرق الأدنى القديم، أو الشرق الأوسط
المعاصر، أو مجموعة الشعوب التي انتهت إليها وتبلورت اللغات واللهجات السامية، التي اكتملت
اليوم في العربية والعبرية.
وطبعا كان لزاما علي التعرض بالدراسة لكلا التراثين العربي والعبري، بالإضافة إلى
المؤثرات الآرية للهند وأواسط آسيا وفارس، وبالإضافة أيضا للتراثين الهليني والروماني؛
نظرا لدورهما المؤثر في مصر والعالم العربي عامة، ولوجود إمبراطوريتهما وبالتالي مؤثراتهما
التراثية والحضارية قرابة 1000 عام.
وعن هذا الطريق يمكن معرفة تراثنا المصري وإعادة تفهمه، ونفس الشيء بالنسبة لتراث الشعب
الليبي والعراقي، وهكذا.
أي إن المدخل العلمي للوقوف على أدق خصائص الملامح المحلية لأي شعب من شعوبنا العربية؛ لن
يكتمل إلا في إطار المعرفة الشاملة لخصائص المنطقة ككل متجانس، أقرب إلى التوحد منه إلى