للفرار من وجهها.
وعندما استمعوا لحكايته المحزنة، احتضنوه وقبلوه.
وحاول الولد معهم أياما الوصول إلى شباك الأميرة، إلى أن نجح في الوصول إليها
وتقبيلها.
وعندما ذهب الشبان، فأخبروا الملك، اغتاظ قائلا: «هل حقا سأعطي ابنتي الوحيدة،
للاجئ مصري؟»
وحين حاول الملك استدعاء الولد، لم تدعه الأميرة يذهب، وهددت بأنها لن تأكل وتشرب
إلى أن تموت، لو أنهم أخذوا حبيبها بالقوة.
وحين أخبروا الملك بكلام الأميرة، وأصر الملك في طلبه، هددت الأميرة بأنها ستموت
قبل غروب الشمس.
لكنهم أخذوا ابن الملك بالقوة إلى ملك نهرينا، الذي سأله وعلم منه أنه ابن سيد
مصر، فوافق الملك وزوجه ابنته.
وذات يوم أخبر ابن الملك زوجته قائلا: «اعلمي يا حبيبتي أنني مقضي علي بالموت
بثلاثة أقدار: التمساح أو الحية أو الكلب.»
فأمرت الأميرة بقتل الكلاب، واصطياد جميع تماسيح البحيرة.
وذات ليلة، نام ابن الملك، وجاءت زوجته الأميرة بإناء اللبن ووضعته إلى جواره،
ونامت إلى جانبه، فجاءت الحية من جحرها لتعض ابن الملك، لكن الخدم أسرعوا فقدموا
إناء اللبن إلى الحية فشربته عائدة إلى جحرها.
إلى أن كان يوم، نزل فيه الأمير الزوج ليستحم في النهر، فجاءه التمساح قائلا:
«أنا هو قدرك، أتبعك أينما سرت.» وابتلعه التمساح.
وكما هو واضح يمكن للقارئ تذكر بعض تضمينات هذه الحكاية المصرية التي ترجع إلى الأسرة 18،
إن لم يكن تذكرها بكاملها.
ولقد قطعت هذه الحكاية شوطا كبيرا على رقعة معظم العالم، لو حاولنا التعرض لها
بالدراسة؛ كيف أنها دخلت البوذية، وارتبطت ببوذا ومعلمه برلام، ومن الهند هاجرت إلى معظم
الرقعة الآرية أو الهندوأوروبية؛ فصاحبت الإسكندر، والخضر، وذي القرنين، ولقمان الحكيم،
وملاعيب أحبقار السنسكريتية، وفي المسيحية تبدت في قصة «الملاك والمسيحي القديم» الشهيرة
خاصة في فولكلورنا القبطي المصري.
وليس هذا هو موضوعنا، بقدر ما إن موضوعنا هو مدى احتفاظ ذاكرتنا الفولكلورية لأقدم
مدوناتها الفرعونية الفولكلورية، أو مدى ما طرأ عليها من إضافات أو العكس.
من ذلك حكاية «أنبو وباتا» أو قصة الأخوين، التي ترجمها أيضا د. بيتري، وترجع إلى الأسرة
18، وملخصها: تآمر زوجة الأخ الأكبر باتا، على شقيقه الأصغر، وادعائها بأنه راودها عن نفسها
أثناء غياب الزوج، مثلما فعلت زليخة مع يوسف الصديق فيما بعد، وكذا فيدرا مع ابن زوجها،
فكان أن طارد الأخ الأكبر أخاه الأصغر، الذي كان له ميزة أو خارقة محادثة الحيوانات
والطبيعة، فكانت الحيوانات تحذره في الحقل، عندما أراد الأخ الأكبر قتله بالسكين المشرعة
المسنونة، فتقول له البقرة: «احذر فإن أخاك الأكبر يقف أمامك ينتظرك بسكينه الحاد
ليذبحك.»
وعندما دلف إلى داخل الحظيرة، ورأى أخاه، اندفع جاريا بأقصى سرعة وسط البراري، وتبعه
الأخ الأكبر، فصرخ الأصغر متضرعا إلى رع حارختي: «سيدي الإله، يا من تملك قدرة عزل الشر عن
الخير.»
فسمع لشكاته رع، جاعلا بينهما بحرا عميقا ضاريا، عازلا أصغرهما عن أكبرهما، مملوءة
مياهه بالتماسيح الضواري.
ولعلها أيضا نفس تضمينة أو خارقة عزل موسى وقومه عن فرعون وجنوده، التي ارتبطت ببرزخ
السويس حين الخروج.
وعاد الأخ الأصغر يصرخ متضرعا لرع حارختي، قائلا لأخيه: «أتتعقبني لتذبحني بسكينك
المخدوع، ولو حدث لكانت جريمة شنيعة، جريمة قتل الأخ!»
وطبعا يذكرنا هذا بأول جرائم قتل الأخ لأخيه، التي يقال إنها وقعت بأرض دمشق، حين قال
الرب لقابيل القاتل: «والآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دماء أخيك من يدك»،
كما يقال بأن سببها أيضا الصراع على امرأة.
وحين لحق الأخ الأكبر بأخيه، استل سكينة وراح يقطع من جسده ملقيا بلحمه للسمك والتماسيح،
إلى أن اختفى تماما، مخبرا أخيه بأنه ذاهب إلى وادي زهور شجرة السنط، حيث سيعاود الحياة