تحت اسم «حكايات شعبية فرعونية»، وظهر الكثير منها في الإنكليزية باسم «تسجيلات من الماضي»،
كما نشر أيرمان مجلدين منها، كذلك أسهم في ترجمتها ودراستها علماء المصريات «جودوين،
وشاباس، وإيبروس».
ولعل أكثر المغالين أو المبالغين في قيمة هذه الحكايات المصرية هو إيرمان الذي أرجعها
للأسرات المصرية الأولى، بل أرجع بعضها إلى ما قبل التاريخ، رغم أن بيتري يأخذ عليه أن
ترجمته لهذه الحكايات جاءت أدبية وصفية، مستخدما في إعادة صياغتها «الألف باء» الحديثة
سواء في الهيروغليفية أو الألمانية الحديثة، ومن هنا فقد تجنت ترجمة إيرمان المتحررة على
الكثير من قيمها الفولكلورية.
وسجل بيتري في الجزئين اللذين نشرهما عن حكاياتنا المصرية الفرعونية مجموعة ملاحظات
بسيطة، منها إفاضة الحكايات المصرية في الأعاجيب أو الملاعيب التي تذكرنا بملاعب شيحا، وعلي
الزيبق، وبعض سير آباء الكنيسة القبطية التي يعج بها تاريخها - السينكار - والتي ما تزال
تتبدا إلى اليوم أكثر وضوحا في حكايات الشطار، وهو ما أسماه بالينوفسكي بالفنتازيا
المصرية.
كما سجل بيتري مدى خوف المصري القديم الدائم من أخطار البلاد الأجنبية، خاصة الآسيويين،
وأقربهم العرب والعبريون الساميون بالطبع من جانب، والليبيون والكوشيون النوبيون من الجانب
الآخر.
كذلك تنبه بيتري إلى غياب وتدهور ملامح الشخصية المصرية في العصر المتأخر، بدءا من
الدولة الوسطى؛ ولهذا يقول: «لهؤلاء الذين يتصورون أن هناك تشابها أو تماثلا يطبع كل مصر
في أحقابها المختلفة، وهو ما لا تؤكده وتقطع به الحكايات المصرية؛ ذلك أن التغير من فترة أو
عصر زمني لآخر يبدو جليا فيها.»
فحكايات السحر والخوارق مثلا بدأت تكثر جدا، بدءا من الأسرة الثانية عشرة، وكذلك
الإكثار من المعتقدات الغيبية والقدرية مثل قصة الأمير القدري،
4
التي ترجع إلى الأسرة الثامنة عشرة، والتي يمكن القول بأنها ما تزال تعيش
بحذافيرها على الشفاه، محفوظة بكاملها في الذاكرة الشعبية المصرية، وقد جمعت لها عدة أشكال
أو تنويعات سوف أنشرها في الجزء الثاني من كتاب أو مدخل أساطير وفولكلور العالم العربي، في
محاولة عمل دراسة حقلية على النصوص التي توصلت إلى جمعها منذ عام 1949.
ويمكن للقارئ تذكر هذه الحكايات الفولكلورية الفرعونية أو تذكر بعض وحداتها أو تضميناتها،
إذا ما حاولنا سردها تبعا لترجمة بيتري لها من الهيروغليفية، وهذه هي الحكاية:
كان يوجد ملك لا يولد له أبناء، فتمنى من الآلهة أن ترزقه طفلا، واستجابت
الآلهة أن تهبه طفلا، لكن ما إن استوفت زوجة الملك أيام حملها، وفي ليلة الولادة،
جاءت الهاتورات
Hothors
وتنبأت له: سيموت ابن الملك إما بسبب التمساح، أو الحية، أو الكلب.
وما إن أخبر الشعب مليكه بالنبوءة، حتى بنى له قصرا معزولا تحت الأرض، وحواه
بما يحتاجه، على أن لا يبرح الطفل بوابات القصر أبدا.
وذات يوم صعد الولد إلى سطح قصره، فرأى كلبا يسير خلف رجل، فسأل معلمه:
5
ما هذا؟
أجابه المعلم: هذا كلب.
قال ابن الملك: أريد كلبا مثله.
فأحضروا له كلبا، وكتب الابن إلى أبيه رسالة أخبره فيها أنه يريد الخروج من قصره
والتجول في الأرض مع كلبه الوفي، ولتفعل الآلهة ما تريد.
وترك القصر بصحبة كلبه، وسافر إلى بلاد بدلام
6
الذي لم يكن له سوى ابنة وحيدة، بنى لها قصرا شاهقا، به سبعون شباكا
على ارتفاع سبعين ذراعا من الأرض.
وطلب ملك نهرينا - بلاد ما بين النهرين - أنه لن يزوج ابنته إلا لمن يستطيع
الوصول إلى شباكها العالي.
وحاول ابن الملك مع بقية الشباب المتجمهرين حول قصر الأميرة ابنة الملك الوصول
إلى شباكها، وعندما سألوه من أين أتى، قال لهم: أنا ابن ملك أرض بر - مصر - ماتت
أمي، وتزوج أبي بأخرى، وعندما ولدت له طفلا، كرهتني زوجة أبي وعذبتني، فاضطررت