وكما يرى عالم الفولكلور، الأستاذ لويس جنزبرج: «أن القصص الاستطرادية المتعرجة الأحداث،
جديدة تماما ودخيلة على الفولكلور الأوروبي المبكر، وفولكلور الشرق الأدنى عامة.»
والنص الشفاهي المصري لهذه الحكاية أكثر تحديدا وأصالة؛ لذا سأورده كاملا، كما حققته من
ستة مصادر مختلفة، أكملها نص سمعته من مصدر بجوار بحيرة قارون بالفيوم باسم «الديب
والتمساح»، وهذا هو النص:
ديب مصاحب تمساح، ومتعود يزوره كل يوم، يروحلو على شط بركة قارون، وينط على ظهره
1
والتمساح يفسحه على وش الركة، وبعد كده يرجعه على الشط آخر
النهار.
مرات التمساح - وليفته - زعلت واتقهرت وغارت من الديب.
وفي ليلة عملت عيانة، ولما جاء التمساح يسألها: عيانة بإيه؟ قالتلو: الحكيم قللي
دواكي على قلب ديب.
التمساح قاللها: بسيطة؛ الديب صاحبي، وبكره الصبح حايجيني وأجيبلك قلبه.
وتاني يوم الصبح، لما الديب جا يزور التمساح، نط ركب على ضهره زي عوايده، التمساح
جابو في وسط البحر، وحكالو حكاية مراته، فالديب قاللو: «لا مؤاخذة يا تمساح، أنا
النهاردة سايب قلبي في البيت، رجعني تاني للبر، وأنا أروح أجيبلك قلبي من البيت
وآجي حالا.»
التمساح رجع الديب على البر، والديب أول ما حط رجله على البر فطس على روحه من
الضحك، ولما التمساح سأله: «بتضحك ليه؟»
الديب قاللو: بضحك عليك؛ عليل ما دويت، وصاحب ما بقيت.
والاختلافات بين النصين السوداني والمصري لهذه الحكاية هي مجرد متنوعات أو اشتقاقات
مرجعها التواتر الشفاهي الذي يعتري التراث غير المدون عامة، أما النص الأم المدون لنمط هذه
الحكاية فيرجع إلى أكثر من ألفي عام.
وسأورد هنا النص العربي لهذه الحكاية، والذي يعد أقدم نص مدون، كما يجمع على هذا
ثلاثة من كبار علماء الفولكلور، هم: د. موسى جاستر، الذي
أورد هذا النص العربي في كتابه «قصص الطيور والحيوانات»، والبروفسور لويس جنزبرج، وبازل ف. كرتلي ، وملخص النص العربي المدون كما يلي:
ما إن انتهى الله من خلق العالم، حتى أمر - عزرائيل - ملك الموت، أن يلقي في البحر
بمجموعة متنافرة من الحيوانات لكي يعيش كل حيوان مع ما يخالفه من حيوانات.
وتمكن الثعلب بمكره ودهائه من الإفلات من قبضة ملك الموت، وحتى لا يلقي به في
البحر.
وفي نهاية العام، أحصى الحوت «ملك البحر» جميع حيواناته، لكنه افتقد الثعلب، فأرسل الحوت
برسله من سمك البحر لإحضار الثعلب، وكان قد سمع بمكره وشدة دهائه، فرغب في أن يحصل على قلبه
ويلتهمه؛ حتى يصبح له ما يمتاز به الثعلب من حنكة ودهاء.
وعندما وصلت الأسماك، رسل الحوت إلى الشاطئ، والتقت بالثعلب، احتالت بدورها عليه،
فقالوا له إن الحوت ملك البحر قد مات، وإنهم جاءوه لينصبوه ملكا عليهم عوضا عنه، وكان أن
امتطى الثعلب ظهر إحدى الأسماك، لكنه وبعد أن غوطت به الأسماك داخل البحر، خاف وتشكك في
الأمر، ولما طلب منهم إيضاحا لحقيقة ما يحدث، أخبرته إحدى الأسماك بحقد الحوت عليه؛ نظرا
لما يتمتع به من دهاء وسعة حيلة؛ لذا رغب في التهام قلبه، ليصبح وريثه في الدهاء.
هنا أجاب الثعلب للأسماك، بأنه كان من واجبهم تذكيره وهو على الشط لكي يحضر معه قلبه؛
نظرا لأن من عادة الثعالب أن تترك قلوبها في منازلها قبل الخروج إلى الخلاء.
وكان أن أعادته الأسماك إلى الشاطئ، لكي يسرع ويحضر قلبه، لكن ما إن وضع الثعلب قدمه على
البر، حتى سخر من غباء الأسماك التي تعتقد أن مخلوقا بدون قلب يمكن أن يعيش.
وكان أن فتك الحوت برسله من الأسماك الأغبياء، والتهم قلوبهم.
ولقد عكف اثنان من كبار علماء الفولكلور، هما د. موسى جاستر ود. جنزبرج، على دراسة هذه
الحكاية أو الفابيولا؛ للتعرف على مصدرها المدون الأم، ونظرا لأنها تعد من أوسع حكايات
الحيوان في شفاهيات كل العالم؛ إذ تمتد متنوعاتها الشفاهية المتواترة من قرى زانزبار حتى