تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في وجهه، وسدت أمامه السبل، واستحال الناس - شعبه - يكيلون له اللعنات بعد أن كانوا ألسنة

حمد وثناء؛ فهجر الأهل والوطن، وأخذ يضرب في على غير هدى.» وكان أن عبر إلى مملكة أخرى،

وعمل صبيا في حانوت حلاق، يعمل ليعيش.

وتتوالى الحكاية، حتى يصل إلى حانوت الحلاق ابن الملك الذي كان قد سبق أن شهد مجده

وثراءه، حين باع له الزبد أو العصفر، فرآه وقد بالت عليه حمارته، فعرفه ابن الملك، ودفع

لصاحب الحانوت دينه وأخذه إلى قصره، وساعده بعد ذلك في استعادة سلطانه ومجده، إلى أن عاد

«ذابل الأمس في يده يانعا، ويابسه مخضرا»، وهكذا ينتهي النص السوداني.

ولقد جمعت من حواديت الملك الأسد أربعة نصوص، منها هذا النص المصري الذي يبدأ هكذا:

كان الملك الأسد أغنى ملك في الدنيا، ومكنش فيه في مملكته لا بيع ولا شرا ولا

مقايضة، واللي محتاج حاجة ياخدها بالصلاة على النبي، لحد ما زار الهاتف في ليلة

الملك الأسد في المنام وقاللو: يا ملك، الدنيا حاتزول عنك.

فترك مملكته، وركب حصانه، ومشى أرض الله لخلق الله، إلى أن صادفه في الطريق بحر

غويط، نزل فيه الحصان عائما بالملك، وفي وسط البحر غطس الحصان والملك ممسكا

بشعره، إلى أن غاب الحصان تماما في أعماق البحر، ولم يتبق منه سوى شعرتين في يد

الملك، فقال: «لما تروح تقطع السلاسل، لما تيجي تيجي على زبيبة.»

واستبدل الملك ملابسه بجلباب قديم - خيشة - كان يرتديها أحد الشحاتين، ونزل

المدينة، والتحق بخدمة رجل فطاطري «يولع النار تحت صينية الفطير»، وهكذا إلى أن يصل

الملك الذي كان قد سبق له أن باعه العصفر، فأخذ منه حماره ليربطه، فبال الحمار

عليه، فقال الملك: «أقبلت - أي الدنيا - لما باض الحمام على الوتد، وأدبرت لما شخ

الحمار على الملك الأسد.»

وتتطابق نهاية الحكايات الأربع المصرية مع الحكايات السودانية في رجوع ملك الملك الأسد

إليه مرة أخرى، بعد أن أوفى مكتوبه أو قدره أو وعده، الذي هو عقابه في ذات الوقت - مثلما

حدث لأيوب - حينما استهجن «النعمة» التي هي الزبد أو المر أو الصفر: أقدس مقدسات المعبد

المصري - والسوداني - والذي كان يجلب من بلاد بنط، عبر السودان إلى مصر، منذ فجر التاريخ.

وإذا ما تناولنا حكاية ثانية، أوردها د. مراد كامل من السوباط، وهي حكاية «شيخ الأسود»، وموجزها:

أن رجلا هرب من مدينته بعد أن قتل الملك أخاه وابنه واستولى على أملاكه، وعاش

الرجل في الغابة وأصبح حطابا، وكان في هذه الغابة أسد وفأر، وكان الفأر يميل إلى

معاكسة الأسد، فقال له الأسد يوما: «كيف تجرؤ على معاكستي وأنا أقوى المخلوقات؟»

فأجابه الفأر بأن القوي هو الذكي «فأنا أقوى منك بذكائي، وأقوى مني ومنك

الإنسان.»

وبينما الأسد يواصل احتداده مدافعا عن أنه أقوى المخلوقات، جاء - الإنسان -

الحطاب، قفز إليه الأسد قائلا: «أيها الإنسان، هل لك في مصارعتي لنرى من منا

الأقوى؟»

فقال الحطاب: «هذا حسن، ولكني تركت قوتي في البيت، فانتظرني إلى الغد، حتى أحضر

قوتي.»

وبهذه الحيلة التي ستكون موضوع بحثنا، نجا الحطاب من الأسد؛ نظرا لأن بقية الحكاية دخيل

على هذه الجزئية الهامة، التي هي في الأصل حكاية حيوان متطابقة مع نظيراتها المصرية، بل إن

البعض يعتبرها أشهر حكاية حيوان من فولكلور شعوب كل العالم.

ويكتمل الجانب - الاستطرادي - في الحكاية السودانية، بسلسلة من الحيل المتوالية، التي

يهزم بها الإنسان - الحطاب - الأسد، ويخضعه لسيطرته، بل هو يتمكن في النهاية من ترويض كل

أسود الغابة، وبهذا يصبح شيخ الأسود، ويتمكن في النهاية من الانتقام لما لحقه من جور الملك

الظالم، الذي كان قد قتل أخاه وابنه وشرده من البلاد.

ومثل هذا الاستطراد دخيل تماما على الجزئية السابقة، التي هي في حد ذاتها حكاية مكتملة،

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٦٤