لقيت هذه النظرية معارضة شديدة خصوصا من بعض أصحاب ما يعرف بالمنهج المقارن للبحث والتقصي
عن المصادر الأولى الأم للمأثورات الشعبية، مثل مانهارت ويوسف بدييه وثومبسون.
فيرى ثومبسون أن دور الشرق الأدنى تتعاظم أهميته في السنوات الأخيرة؛ نظرا لكونه المعبر
الأساسي الذي عن طريقه تسربت كل الكلاسيكيات الهندية من الشرق إلى الغرب، ويمكن التعرف على
ما اعترى التراث الهندي من تغيرات وإضافات، خلال الزمان والمكان، مثل «البانشاتانترا»؛ أي
الأسفار أو الكتب الخمسة وما طرأ عليها من تغيرات وتحولات، وهي تأخذ طريقها من الهند إلى
الفرس والعرب والسريانيين العبريين اليونانيين، إلى أن وصلت سريانها في تراث وآداب الشعوب
اللاتينية في العصور الوسطى، وينطبق هذا على «الجاتاكا» أو الحكم السبع، ومرادفاتها في محيط
القصة.
ويضيف الأستاذ ثومبسون: هذا إلى جانب القيمة العظيمة لتراث الشرق الأدنى الفولكلوري في حد
ذاته المدون والشفاهي «وحيث تروى الحكايات الشعبية، بشكل دائم، كجزء من النشاط اليومي
المتواصل للأسواق والبازارات».
كما أن على رأس مصاعب وتعثر التصدي لدراسة تراث الشرق الأدنى بأساطيره وفولكلوره؛ تقف
صعوبات؛ أولها: ندرة الحصول على موارده المتواترة، بما يحقق تراكم أكبر كمية كافية أو
ممكنة، قابلة للمقارنة من أنماط الحكاية أو الملحمة أو السيرة أو العادة الطقسية محل
البحث.
لذا فإن محاولات الدراسين تعد إلى الآن محاولات شبه عقيمة، والأكثر عقما وأخطارا هو
عدم تخطي المحاولة الجادة للتعرف على أنفسنا وأصول شعوبنا ومكوناتها وخباياها، عن طريق هذه
العلوم الشابة التي حققت الكثير، أخصها زرع واستنبات فضيلة التسامح. •••
وإذا ما عدنا إلى موضوعنا الخاص بمجموعة الحكايات والأحدوثات السودانية التي تنبه لأهمية
جمعها من بعض مناطق السودان د. مراد كامل، وما يطابقها في حواديتنا المصرية، أسجل أن هذه
المحاولة الدراسية هي أيضا غير مكتملة؛ نظرا لقلة النصوص المتعددة للجزئية الواحدة، وحتى
يمكن التوصل إلى نتائج أكثر دقة، وسأضرب مثالا لتوضيح أهمية التشدد على تعداد مرادفات
المادة أو الحكاية أو الملحمة موضوع البحث، والمثال هو الجمعية الأدبية الفنلندية التي
أنشئت في هلسنكي عام 1831، والتي تعد أقدم جمعية فولكلورية في العالم؛ فعندما احتفلت
هذه الجمعية بالعيد المئوي لنشر إحدى ملاحمهم القومية عام 1935، وهي ملحمة «كلافالا»، وصل
عدد التسجيلات والتدوينات من متنوعات هذه الملحمة من كل أنحاء إسكندينافيا إلى ألف تسجيل
فولكلوري ...
وكان أن بدأت بعد ذلك مرحلة الدراسة العلمية اليقينية لهذه الملحمة.
وإذا ما بدأنا بتناول واحدة من هذه الحواديت أو الحكايات السودانية، التي جمعها د. مراد
كامل، ونظيرتها الشفاهية المصرية، وهي حدوتة تدور حول ملك واسع الجاه والثراء تحفظ له
الذاكرة الشعبية في كلا النصين المصري والسوداني واسمه «الملك الأسد». وفي تقديري أن ما بقي
من حكايات وحواديت الملك الأسد هذا يشير إلى أنها بقايا سيرة، تدور حول حياة هذا الملك،
مثلها في هذا مثل الحكايات المتبقية من البقايا الشفهية لسير الملك معروف، وسيف بن ذي يزن،
وحسان الغالبة؛ والملك الشاطر حجازي ووزيره البين ... وسير التباعنة ملوك اليمن، في حكاياتنا
المصرية.
وملخص الحكاية السودانية عن الملك الأسد هو أنه اشترى حمولة عشرين سفينة من «الزباد» - أو
العصفر في الحدوتة المصرية - وطلى به جدران قصره؛ ليطيب أريجه وينشر رائحته الزكية في
أرجائه، وكان هذا الفعل الذي أقدم عليه الملك الأسد بمثابة زلته أو سقطته، التي بمقتضاها
زالت عنه نعمته وذهب جاهه؛ فأصبح «خاوي الوفاض لا ينضم مقره على شيء مما حوى، فقد ابتلع
اليم سفنه بما تحمل، وانطوت رمال الصحراء على قافلته بذهبها وأحجارها الكريمة، وضاقت الدنيا