تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصناع وكهنة ومحنطين.

ولقد لعب السودانيون دورهم الشقيق في معاونة المصريين في طرد الهكسوس، خاصة قبائل البجة

والكوشيون - منهم النوبيون - ويرى سلجمان أن البجة والمصريين من سلالة واحدة.

وكان الملك كشتا أول من عرف من ملوك السودانيين، واتسع سلطانه حتى تعدى الأقصى، ولما مات

خلفه ابنه الملك بعانخي في حكم السودان ومصر، ولما مات بعانخي هذا، خلفه أخوه وزوج ابنته

شبكة عام 700ق.م، وهو الذي نقل عاصمة ملكه إلى الأقصر، وحارب الآشوريين، وابنه ترهاقا صاحب

الحروب المتصلة في غرب آسيا، وهو الذي هزم سنحاريب ملك آشور، وغزا أورشليم، واستولى على بيت

المقدس.

ويعرف هؤلاء الملوك السودانيون الأوائل بملوك نبتة العظام، وهم الذين جلبوا الصناع

والفنانين والمعلمين المصريين، وساعدوا على نقل المؤثرات الحضارية والشعائرية المصرية إلى

السودان، وتبدى هذا في عادات دفن الموتى والفن والعمارة، إلى جانب الكتابة الهيروغليفية.

وخرج ملوك السودان أو ملوك نبتة مرارا لصد هجمات القرى وغيرهم من القبائل الليبية

والسامية المغيرة على مصر.

وطبعا فإن هذه الاتصالات المصرية السودانية المبكرة حملت مع ما حملت التراث الشفهي

والعقائدي لكلتا الدولتين، ويرى البعض - ومنهم سلجمان - أن الختان الفرعوني ما يزال هو

السائد في السودان، كما أكده المقريزي بقوله: «وأما النساء فمقطوع أشفر فروجهن، وإنه يلتحم

حتى يشق عنه للمتزوج»، وهو الختان الذي ما يزال ساريا في قرانا المصرية خاصة الصعيد

الأعلى، حتى اليوم. كما أن كثيرا من القبائل والبطون العربية قبل الإسلام كانت دائمة

الهجرة إلى مصر عن طريق شبه جزيرة سيناء وبرزخ السويس، مواصلة صعودها إلى الجنوب؛ فالصلات

بين شمال الوادي وجنوبه كانت دائمة الحركة موثقة سواء من ناحية الجنس والسلالة، أو من

الناحية الثقافية التقليدية، أو من ناحية التراث الإبداعي الجماعي الشعبي، وسواء على طول

عصور مصر الفرعونية، أو البطلمية والرومانية والقبطية والإسلامية وأخيرا المعاصرة أو

الحديثة؛ منها مثلا توقيت قيام الثورة العرابية في مصر عام 1881 ونظيرتها الدعوة المهدية

في السودان في نفس السنة ... وهكذا. •••

وقبل الانتقال والتعرض للموضوع الذي نحن بصدده، أود أن أشير إلى النقص الكبير الذي

تعانيه حركة دراسة الفولكلور والأساطير، وتخلفها المجدب الشديد في عالمنا العربي، وهو

التراث الذي يحفظ له العالم أجمع ثراءه الهائل والذي لا تدانيه أصالة تراث أية منطقة من

مناطق حضارات وتراث العالم القديم، هذا على الرغم من الصعوبات والمشاكل التي تحبط وتعثر

المتصدي لدراسته نظرا لتعدد المصادر وكثرتها وتداخلها وتجدد النزاع القبلي على ملكيتها، من

ذلك مثلا أنه كان في الجزيرة العربية واليمن والشام وفلسطين آلاف مؤلفة من تراث القبائل

والملل والنحل حتى الفترة المتأخرة التي لا تتعدى القرون الستة بين المسيحية

والإسلامية.

ومن ذلك أيضا متاخمة الشرق الأدنى لحضارتين مبكرتين هما الهند وفارس اللتين واصلتا تسريب

تراثيهما إليه بشكل مخصب متواصل؛ مما دفع ببعض دارسي هذا العلم إلى اعتبار تراث الشرق

الأدنى القديم، وبرغم ثرائه وعراقته «تراثا غير مكتمل الشخصية».

وحتى فترة قريبة، هناك شبه إجماع من جانب جيل الفولكلوريين الأكاديميين والمستشرقين،

منهم: بنفي، ونولدكه، والبارون دي ساسي، وكيث فالكونر؛ على القول بأنهم - أي الأوروبيون -

تعرفوا على قصة نبع التراث الأوروبي في الهند، وكان من نتيجة هذا مثابرة طويلة على جمع

ودراسة لاهوت وأساطير وحكايات وخرافات وفوازير الهند.

ونشبت معارك طويلة حول ما قال به المستشرق تيودور بنفي، وعالما الفولكلور والأساطير

الفنلنديان آرني وكارل كرون؛ «من أن أصول حكايات وخرافات كل العالم مصدرها الهند» ... وطبعا

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٦٢