تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي إحدى الروايات: «إن إبليس كان له ملك سماء الدنيا، وكان ينحدر من قبيلة من الملائكة،

يقال لهم الجن، وسموا الجن لأنهم خزان الجنة.»

ويبدو أن الصراع كان ملتهبا بين مادتي النار والطين، أو بين الملائكة والبشر؛ إذ إن الله

«خلق خلقا - من الملائكة - وقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا

فأحرقتهم، ثم خلق خلقا آخر، بشرا من طين، وطلب من الملائكة أن يسجدوا لآدم، فأبوا، فبعث

الله عليهم نارا فأحرقتهم».

ومعنى هذا أنه كان هناك اعتقاد أكيد في أن «طينة» الجن أرفع منزلة من تلك التي صيغ منها

الإنسان القديم؛ وعلى هذا فقد عبدوا الجن، وأحلوهم محل الآلهة منذ فترات مبكرة جدا،

كما يرى فريزر

22

الذي أورد حكاية «من مصدر عربي عن حادث موت ملك الجن (1063-104ق.م) وأنهم كانوا

يندبونه - على طول الشرق الأوسط - من تركيا حتى إيران وبغداد، يضربون بالدفوف وينوحون

ويشقون ملابسهم، مهيلين على رءوسهم الطين والرغام».

الفصل الثامن

| حكايات فولكلورية سوادنية ومصرية

مجموعة حكايات فولكلورية سوادنية، جمعها الدكتور الأستاذ عواد كامل، ونشرها في كتاب تحت

اسم «قصص سودانية»، بعض هذه الحكايات الشفاهية يمكن تصنيفه تحت ما يعرف بحكايات الجان أو

الحكايات الخرافية، وبعضها الآخر من نوع حكايات الحيوانات، وبعضها الثالث قد يكون بقايا

أساطير مهشمة أو «أشلاء أساطير»، كما سبق أن لاحظ الأخوان جريمي.

ورغم أن د. مراد كامل قد أعاد صياغة هذه الحكايات الشفاهية السودانية، ونشرها في شكلها

الأدبي، إلا أنه بدا واعيا ومدركا في محافظته الدقيقة الرصينة على أدنى مقولاتها ووحدتها

وتسمياتها كحكايات فولكلورية، قابلة للتجزئة والانقسام إلى سلسلة متتابعة من الأفكار

والجزئيات، ربما يسمح لها بالمقارنة مع نظيراتها من حكايات مشابهة أو مشتركة في النمط أو

النموذج.

والذي استوقفني بالنسبة لهذه الحكايات هو عثوري على نفس هذه الحكايات والحواديت، بكاملها،

في حكاياتنا وحواديتنا الشفاهية المصرية، فما من حكاية مفردة لا تتفق أو تتوحد مع نظيرتها

المصرية؛ وهذا يعني مدى الالتقاء غير العادي بالنسبة لتراثي الحكايات الفولكلورية السودانية

والمصرية بأنماطها ونماذجها، بل وحتى تضميناتها وأدنى جزيئاتها.

وليس هذا بغريب بالنسبة للأسس والقوانين التي أمكن لعلم الفولكلور إرساؤها منذ مطلع هذا

القرن، بل الغريب هو أن يحدث العكس فيحل التنافر والمخالفة محل التطابق والتوحد، بالنسبة

لتراث الشعبين المصري وشقيقه السوداني.

ومرجع هذا التطابق أو التوحد للتراثين المصري والسوداني - بالنسبة للحكايات الشعبية - هو

الالتقاءات والاتصالات؛ من تاريخية وجنسية ومكانية ولغوية، بين السودان ومصر.

وتصل علوم ما قبل التاريخ، بالعلاقة التاريخية لمصر القديمة بالسودان، إلى ما قبل عهد

الأسرات، فعن طريق السودان، كانت تصل إلى مصر حاصلات بلاد بنط من بخور وعطور ومر، وكانت هذه

الحاصلات جزءا حيويا من أخص خصائص المعبد الفرعوني وشعائره الدينية؛ مما يؤكد نص حدوتة

مصرية وسودانية، من بين هذه المجموعة من الحكايات والحواديت المصرية السودانية

المشتركة.

ولقد تدعمت بين الدولتين منذ الدولة الوسطى 2000ق.م، حين بدأ ملوك الأسرة الثانية عشرة

يسيرون حملات إلى السودان، حتى تمكنوا من دخوله، ونشر ديانة آمون، وأقام قلاعا ومعابد

«بوهين ودابنارتي ومرجيسيا وشفلك وسمنة وأورونارتي ... إلخ»، وأيضا مسلات سيزوسترس الثالث

(1879ق.م)، ولوحة سنوسرت الثالث: «هذه حدودي الجنوبية وكل من يحافظ على هذه الحدود

الجنوبية، فهو ولدي ومن صلبي، الابن الذي يحمي أباه.» كما أن كهنة آمون كانوا يقيمون في

السودان، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المهاجرين المصريين؛ من حرفيين ورسامين وخطاطين

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٦١