وغيرهما؛ يرسمون دوائر ثلاث فوق رأس الطفل حديث المولد، يكتبون على الأولى اسم ملك الجان،
وعلى الثانية اسم الإنسان القديم، وعلى الثالثة اسم روح الحياة.
9
وقد ارتبطت هذه الشعائر عند تلك الملل الكثيرة المتلاطمة، بأساطيرهم وأفكارهم الأولى عن
الخلق، والصراع بين آدم وبين الشيطان، أو الصنديد الذي «علم حواء» رطانة السحر لتسحر آدم
وتسلبه أطفاله، فكان آدم يتضرع إلى الله: ما ذنب المولود؟
ومعتقد الخوف على حياة الأطفال حديثي الولادة وأمهاتهم النفساوات منتشرة بكثيرة في
فولكلور شعوب العالم القديم، وكان العبريون اليهود والرومان والجرمان يعتقدون في مقدرة «روح
الحديد» على طرد هذه الأرواح الشريرة، فيذكر المؤرخ «بيليني» أن الرومان اعتقدوا في قدرة
الحديد على طرد الشياطين، كما ذكر الأخوان جريم: «إن الجرمان كانوا مؤمنين بالدم والحديد في
طرد الأرواح الشريرة.»
وفي القرن الرابع عشر الميلادي وحد «هيرونيموس» بين الليليث السامية واللاميا اليونانية،
واللاميا أميرة ليبية هجرها الإله زيوس بعد أن سرقت أطفال زوجته هيرا، فكان أن واصلت
انتقاماتها بسرعة أزواج الآخرين من زوجاتهم. واللاميا تغوي الرجال - الفرادى - فتمتص دماءهم
وتلتهم لحمهم - وهي ما أصبحت في تراثنا الفولكلوري النداهة والسلعوة. وفي الرسوم الحائطية
الهلينية صورت اللاميا وهي تفترس أحد المسافرين وهو مضطجع على ظهره ... مثلها في هذا مثل
سابقتها الرسوم الحائطية الكنعانية، التي ترجع إلى ما قبل القرن الرابع عشر ق.م. والتي تصور
الآلهة العارية إناثا - أي الأنثى أو الليليث - طائرة في الهواء، لامسة مقبلة عشيقها النائم
الإله «موت»، وفي صورة أخرى يبدو «موت» - أو آدم الكنعاني - يحفر تحت الضلع الخامس، بما
يشير إلى خلق حواء من ضلع الرجل.
10
فخلق حواء من ضلع الرجل أسطورة مستقرة منتشرة بكثرة على طول الشرق الأوسط، تؤكد سيادة
الرجل الذكر، منكرة قدسية حواء، منقصة من مساواتها الرجل، موحدة بين المرأة والحية والشيطان
والجنية. •••
وكان الكلدانيون فلاسفة وكهنة حران يقولون بأن للجن إلها، يضحون له بنحر الخرفان،
ويطبخون ماء يستحمون به سرا لرئيس الجن، وهو الإله الأعظم، كما كان من عاداتهم التضحية
بصبي طفل حين يولد بذبح الصبي، ثم يلصق حتى يهترئ، ويؤخذ لحمه فيعجن بدقيق السميد
وزعفران وسنبل وقرنفل وزيت، ويعمل منه أقراص صغار مثل التين، يخبز في تنور جديد، ويكون
لأهل السر في الشمال، ولا تأكل منه امرأة ولا ابن أمه ولا مجنون.
وكان من منفراتهم؛
11
أي إتيانهم الأمور المنفرة للجن - وتعرف بالمنفرات عند الساميين بعامة - أنهم
يعلقون الجناح الأيسر للفراخ على صدور الأطفال والحوامل، لاتقاء الليليث والجن.
كما كان من بين هذه المنفرات - التي ما تزال تتواتر حولنا - عند بقايا هذه الأقوام
المنحدرة من العرب الجاهليين - استعمال عظام الموتى أو خرق الحيض،
12
أو اعتقادهم في سن الثعالب، وحلق الرأس بالموسى، وتغيير الأسماء، فيذكر عن
أعرابي أنه قال: «لما ولدت قيل لأبي نفرعنه، فسماني قنفدا وكناني أبا العداء.»
13
وعن ابن عباس قال: «كانت حواء تلد لآدم فتعبدهم؛ أي تسميهم عبد الله وعبد الرحمن، ونحو
ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهم إبليس فقال لها: لو سميتما بغير هذه الأسماء لعاش ولدكما، فولدت
حواء ولدا فسمته عبد الحرث، وهو اسم إبليس.»
ويورد ابن النديم أن مصر وبابل أكثرت من هذه المنفرات قائلا: «فأما السحرة فزعمت أنها
تستعبد الشياطين والجن بالسحر والقرابين وارتكاب المعاصي والمحظورات واستمالتها بترك الصلاة
والصوم، وأباحت الدماء، ونكاح ذوات المحرم، وغير ذلك من الأفعال الشريرة، وهذا الشأن شائع
ببلاد مصر وبابل.»
وأضاف: «وقال لي من رأى السحرة بأرض مصر: وبها بقايا ساحرين وساحرات، وزعم الجميع من