تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجمعية الإيرلندية للفولكلور عام 1951 يقول هذا النص: «إن بناء فلك نوح استغرق 81 عاما؛

إذ إن الشيطان كان يدمره مرة كل سبع سنوات، مستعينا بالزوجة.»

وفي أحد النصوص الشرقية التي جمعها أبيفانيس اليوناني: «أن برها زوجة نوح أشعلت الفلك

نارا عندما دخلتها.»

وفي عديد من النصوص يأخذ نوح مكان آدم ويتطابق معه، ويروح إبليس يغري الزوجة، ويدفعها إلى

أن تدفع نوح بدورها للأكل من الشجرة المحرمة، مما يدفع الله لأن يسلط عليهم الطوفان

كعقاب.

وتتوالى جزئية أو فكرة غواية الشيطان للزوجة بشكل متوال في أغلب الأساطير السامية،

فالشيطان هو الذي وسوس لامرأة لوط، حين هجر لوط قومه وفر مهاجرا ومعه أهل بيته، فأرسل

العذاب على مدينة «سادوم وقراها الخمس»، عمرة وأدماء وصبويم وبالع، حين سمعت المرأة أصوات

خراب المدينة فصرخت: وا قوماه، «وكان أن تحولت إلى عمود ملح.»

4

وفي أحد النصوص التي تتعرض لغواية الشيطان لرحمة، امرأة أيوب، يقول النص:

إنه كان ل «أيوب بن رازح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل؛ زوجة اسمها رحمة،

وكان أيوب صاحب أموال عظيمة، وكان له ملك البثنية جميعها من أعمال دمشق، فابتلاه

الله بأن أذهب أمواله حتى صار فقيرا، وهو مع ذلك صابر على عبادته وشكره، ثم ابتلاه

الله في جسده، حتى تجذم ودود، فبقي مرميا على مزبلة لا يطيق أحد أن يشم رائحته،

فكانت زوجته تخدمه وهي صابرة على حاله، فتراءى لها إبليس وأراها ما ذهب لهم، وقال

لها: اسجدي لي لأرد مالكم إليكم. فاستأذنت أيوب، فغضب وحلف ليضربها مائة، ثم إن

الله - تعالى - عافى أيوب ورزقه ورد إلى امرأته شبابها وحسنها، وولدت لأيوب ستة

وعشرين ذكرا، ولما عوفي أيوب أمره الله بأن يأخذ عرجونا من النخل فيه مائة شمراخ،

فيضرب به زوجته، ليبر في يمينه.»

وما يمكن ملاحظته في ذلك النص، هو أن إبليس أرى الزوجة «رحمة» ما ذهب لهم، بمعنى أنه هو

الذي كان قد سلب عنهم أموالهم وعزهم، وأصاب أيوب بالداء، وفي مقدوره رد ما أخذ، لو أن

المرأة سجدت له.

فالعلاقة بين المرأة والشيطان تتواتر بكثرة شديدة، خاصة في نصوص وأساطير الخلق الأولى عند

عديد من ملل ونحل الشعوب والقبائل السامية العربية.

وما يهمنا هنا هو هذه الفكرة السومرية، وهي فكرة توحد الشيطانة ليليث بالحية، وليليث هي

ما عرفت عند السومريين بحواء الأولى، والتي عادت بدورها فتوحدت بالحية، خاصة عند القبائل

العبرية، ففي التوارة أن أصل الإنسان من الحية، والحية من الجن. وترددت هذه التضمينة في

عديد من أسفار الخلق والبدء عند أغلب ملل ونحل الشرق الأدنى.

فعندما قرر الله أن يهب آدم أنيسا، طلب منه أن يسمي كل حيوان بهيم وطائر وكل مخلوق حي،

فكانت الحيوانات تمر به - ذكر أو أنثى - فسماهم آدم واختبر نفسه مع كل أنثى منهم، وعندما

عجز صرخ باكيا: لكل مخلوق قرينة إلاي. فكان أن خلق الله الليليث أو حواء الأولى، ويقال إن

الله استعمل في خلقها القاذورات والرواسب الطفيلية بدلا من مياه العمق، أو الطين اللازب أو

الصلصال الذي خلق منه آدم.

ويلاحظ طبعا أن هذا التراث الأبوي القبلي، يحط من قدر المرأة حتى في مادة خلقها.

وباتحاد آدم مع هذه الشيطانة ومع أخرى على شاكلتها تدعى «نعمة أو نعامة » ونعمة هي أخت

قابيل القاتل وقرينته، وينسب لها نشر ما لا يعد ولا يحصى من الشياطين والجن التي هي آفة

ووباء الجنس البشري، ومنها الجنون، المشتق لفظيا من الجن.

وقد تعثر عند الجاحظ

5

على تفسير لتوضيح تلك العلاقة اللغوية الاشتقاقية بين الاسم «نعمة» أو الجنية

نعمة، التي تشارك الليليث في خنق الأطفال الحديثي الولادة، والإضرار بهم، وبين طائر

النعامة. فمن أمثال العرب وقولهم: «أشرد من نعامة» ... ذلك لتخلي النعامة عن بيضها وأولادها

عند رؤيتها الطعام ... ومن أمثالهم: «أحمق من نعامة، وأجن من نعامة»، و«مثل النعامة لا طير

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٥٦