- إلى أوروبا والعالم الجديد، ذلك أن الكشوف السومرية العراقية الأكثر قدما من الآرية -
بداية الألف الرابعة ق.م - جاءت فأجلت الكثير من الغموض، من ذلك مثلا ما جاء عن العفريتة
الشيطانة «ميليث» التي تسكن الخرابات والأماكن المهجورة، وهي الفكرة المتواترة اليوم عن
سكنى العفاريت الخرابات، وهو ما كشفه وأوضحه نص القصيد السومري المعنوي «جلجاميش وأنكيدو
والعالم الآخر»، أو «جلجاميش وشجرة الصفصافة».
وتبدأ هذه القصيدة هكذا: «في قديم الزمان، كانت شجرة الصفصافة مغروسة على شاطئ الفرات،
وحدث أن هبت عليها العواصف الجنوبية، وفاضت عليها مياه الفرات، فأخذتها الإلهة «أنانا»
إلى مدينتها «أرك » - أو الوركاء - وغرستها في بستانها المقدس، حتى إذا كبرت الشجرة صنعت من
خشبها سريرا أو كرسيا، وعندما حاولت «أنانا» قطعها لتصنع من خشبها سريرا وكرسيا
أعجزتها حية شيطانية «ليليث» اتخذت منها مسكنها، إلى أن جاء البطل الإلهي جلجامش فقطع
الشجرة وذبح الحية، وفرت الشيطانة «ليليث» إلى الأماكن الخربة المهجورة.»
وبالقطع هذه أول فكرة تاريخية أو حفرية، عن سكنى العفاريت الخرابات.
ومع انتقال تراث السومريين إلى خلفائهم وورثتهم البابليين، الذين عرفوا بالأكاديين نسبة
إلى أكدو عاصمتهم، انتقلت فكرة الشيطانة «ليليث» إليهم، وليليث كلمة بابلية آشورية، ومعناها
أنثى العفريت أو الريح، كما أنها ذكرت مرة أخرى في إحدى القصائد الجلجاميشية البابلية -
حوالي 2000ق.م - وتحول هذه اللفظة بعد ذلك من «ليليث» إلى «ليل» ... وهي ما أصبحت تظهر
ليلا، وعرفت بالجنية ليل، تسكن الأماكن الخربة وموارد المياه، وتظهر كخارقة ليلية يغطي
الشعر كل جسدها العاري، في الفولكلور السامي المعاش اليوم بعامة.
ويبدو أن الليليث أو ليلي أو ليل السومرية هذه - 4 آلاف عام ق.م - هي نفسها التي أصبحت
تصادفنا في الشعر والأغاني الشعبية - يا ليل يا عين - كما أن الليليث أو ليلي، توجد بكثرة
هائلة في الأغاني الدينية الشعبية، المعروفة بأغاني التخمير، والزار.
ويبدو أن العبريين كانوا قد أخذوها عن الكنعانيين الذين سبقوهم في استيطان فلسطين، فليليث
في اللغة الكنعانية أو الفينيقية معناها إناثا أو إناث - ومفردها أنثى - وهي ما تتوحد مع
عشترت، خاصة في طقوس العرس المختلط.
ولقد اعتقد الملك سليمان في أن بلقيس ملكة سبأ ما هي إلا ليليث أي عفريتة؛ نظرا لأن
جسدها كان مغطى بالشعر: «فلما نظر سليمان إلى شعر ساقيها، ورأى جسمها أحسن جسم، صرف وجهه
عن ساقيها للشعر»،
2
وكان أن وضع لها سليمان بعد ذلك بمعونة جنوده وأعوانه من الجن «الخلطة» التي
تزيل الشعر، وهي ما عرفه النساء بعد ذلك حين ينزعن أو ينتفن شعرهن بالحلوى.
أما عن فكرة توحد حواء بالحية التي تتوحد بدورها بالشيطان، فتتبدى بكثرة في أغلب أساطير
الخلق السامية، وتذكر هذه الأساطير أن الحية إذ ذاك لم تكن على شكلها الآن، بمعنى أن مسخا
قد حدث لها عقب توحدها بالشيطان إبليس، حين وسوس لحواء - في فم الحية - الأكل من الشجرة
الممنوعة أو المحرمة، ويقال إنها الحنطة: «ووعدهما إن أكلا منها أن يخلدا ولا يموتا.»
3
ففي أغلب الأساطير والشفاهيات العربية خاصة يغوي الشيطان المرأة زوجة الإله أو البطل،
مثلما حدث مع زوجة نوح، حين مكنته من تخريب الفلك ثلاث مرات، وكذلك فقد تسلل الشيطان إلى
الفلك خلال الطوفان عن طريق زوجة نوح، عقب زواجه منها.
ووردت هذه الفكرة أيضا في الأسطورة الفلاشية عن تسلل الشيطان إلى جوف الحوت الخالق،
مواصلا نشر كوارثه.
وتكشف النصوص المدونة والشفاهية لأسطورة الطوفان استعانة الشيطان بزوجة نوح، للإيقاع
بنوح، وتحطيم فلكه، وفي أحد النصوص الأيرلندية التي جمعها الأستاذ «جيمس ديللارجي» مدير عام