تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والآريون؛ دوره في جلب هذه الأفكار والمعتقدات الخرافية عن الجان، ثم تسريبها فيما بعد إلى

بقية شعوب العالم العربي، ومنه عبرت إلى أوروبا.

ويدافع «نولدكه» أحر الدفاع عن أن معرفة العرب بالجن جاءتهم من جيرانهم الشماليين،

وأنها دخلت فلسطين من الإيرانيين، وليس هذا برأي جديد؛ فقد اعتبر عالما الفولكلور

الألمانيان الأخوان جريم: «أن حكاية الجان على رقعة العالم أجمع إنتاج آري كامل»،

1

بل إن فكرة تحول العشيق إلى حيوان عقب

المضاجعة أو الزواج الشائعة اليوم في فولكلور كل العالم ما هي إلا فكرة «عشتروتية» بمعنى

أنها كانت في منبتها الأم جزئية أسطورية سومرية لاسامية، كما أنها متصلة بفكرة الإلهة

الأنثى القمرية، والتضحية بالملك الأب الذكر، وهي أصبحت فيما بعد حكاية جان واسعة

الانتشار، خاصة عند الساميين.

فيقال: «إن بيذخ ابنة إبليس كان لها عرش على الماء، وإن المريد لها متى فعل معها ما تريد

سحرته.»

وبشكل موجز، فلقد كان للعرب - سكان الوبر - دور لا نهاية له في ترويج خرافات الجان هذه،

على اعتبار أنها خرافات آرية هندوكية، حملوها مع فتوحاتهم إلى مصر وشرق أفريقيا والأندلس،

وأوروبا عامة، وهي النظرية التي تبناها المستشرق تيودور بنفي.

وفي تقديري أن ما كان ينسبه الساميون الأوائل عامة لآلهتهم عادوا فأورثوه الجن، وبمعنى

أدق فإن أساطير انحدار الملك - البشري - الابن من صلب إله، والتي تتبدى بشكل أخص في أساطير

الملكات الساميات - التاريخيات - التي تجمع أساطيرهن على انحدارهن من رحم أمهات سماويات

«اتصلن برجال بشريين ذكور، فجئن إلى الوجود» مثلما حدث مع الملكة البابلية سميراميس التي

تنسب لها أساطيرها أن أمها معبودة سماوية أرادت أن تستر ذلتها، فتركتها في الخلاء، وأما

جانب تطابقها مع عشترت فيرجع إلى قتلها عشاقها عقب الجماع، وكذلك سميرام السورية، وميرنا أو

شميرنا، ملكة الأمازون الليبيات، التي ينسب لها المؤرخ ديودوس الصقلي أنها «عندما مرت

بمصر، صادقت حور - حورس - ابن إيزيس الذي كان ملكا متوجا بها».

أما عن مراحل استبدال الأمهات السماويات بأنثيات من الجن، فيبدو واضحا في نسب بلقيس ملكة

سبأ، وأمها الجنية المشهورة «رواحة بنت مسكن»، وهو اسم ما يزال يتواتر على الشفاه في خرافات

الجن المصرية، ومنها جنية جبل ضهر باليمن، والجنية التي انحدر من رحمها الملك الحميري الصعب

«ذو القرنين» والصعب بن ذي مرائد الحميري.

بل إن العرب نسبوا لسابقيهم من القبائل العربية البائدة انحدارهم من أمهات جنيات مثل

قبائل جرهم، التي قيل إنها جاءت إلى الوجود من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم، وكذلك قبائل

جديس وثمود والعماليق أو العمالقة في الشام وفلسطين، وهو تصور ليس ببعيد طبعا عن تصور

العبريين، من أن الملائكة هم أبناء الله «بني إيلوهم»، أو عن عبادة العرب للجن، وتحريمهم

لأماكن شاسعة بكاملها، لا يقربونها، و«الحجر» اعتقادا منهم في أن هذه الأماكن كانت موطن

الأسلاف من الجن مثل وادي «برهوت» و«يبرين» و«صيهد»، وكانت ديارا لقبائل عاد وثمود وطسم

وجديس وجرهم والعماليق، وغيرهم من القبائل المندثرة.

ومن هنا جاءت فكرة اعتبار القبور والأماكن المهجورة والخرابات بعامة مواطن للجن والعفاريت

... وأن تحية العربي القديم لساكني المقابر من الجن والعفاريت، والتي كانت اتقاء لشرورهم هي

«عموا ظلاما»، وهي ما أصبحت اليوم «مسيكم بالخير» ومرادفاتها المختلفة، ومنها إجابة الجني

أو الغول على البطل الإنسي: «لولا سلامك غلب كلامك، لكنت كلتك ورميت عضامك» وهكذا ...

وقد لا يقبل المرء بسهولة ادعاءات المستشرقين وعلماء الآرية مثل «نولدكه» و«بنفي» تصورهما

للشرق الأدنى القديم كمجرد معبر حضاري ثقافي اتخذه التراث الفولكلوري الآري - الهندو إيراني

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٥٤