وبقية أفكارهم عن السعلاة أو السلعوة، المتواترة حتى الآن في المعتقد الخرافي
المصري.
ويبدو أن ثمة علاقة بين القردة وبين معتقد العرب الجاهليين عن الدهر أو القدر، الذي وحدوه
بالخالق والقادر والماني الذي هو في آخر المطاب الله، فقالوا إنه «في آخر الزمان، تأتي
المرأة فتجد زوجها قد مسخ قردا؛ لأنه لا يؤمن بالقدر.» كما يقال بأن الجاهليين كانوا
يسجدون للقرد.
ورووا الكثير من الخرافات حول أناس خلطوا اللبن بالماء، فمسخوا قردة، ومنها حكاية عن رجل
حمل معه خمرا في سفينة ليبيعه ومعه قرد، وكان يغش الخمر بالماء مناصفة، فسرق القرد صرة
نقوده وصعد أعلى السفينة، وراح يلقى بدينار في البحر ودينار في السفينة، حتى قسمها
نصفين.
ويبدو أنهم اعتقدوا في أن القردة والخنازير ما هم إلا أناس بشريون؛ فلقد تواترت خرافات
كثيرة عن أن الجاهليين كانوا يرجمون القردة الزناة، وروي عن الأزدي قال: «رأيت في الجاهلية
قردة زنت اجتمع عليها قردة فرجموها، ورجمتها معهم.»
وقالوا: «إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير
كانوا قبل ذلك.» وربطوا في خرافاتهم المتعددة بين سكنى الجن والشياطين والسعالي لديار
وخرائب القبائل العربية المندثرة، عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق وغيرهم، ومسخ هذه الأقوام
إلى قردة. وفي خرافة تروي بعض الأقوام الإسرائيلية بهذا المعنى عن: «القرية التي كانت حاضرة
البحر»، وهي قرية سماها ابن عباس ب «أيلة»، كانت تطل على البحر ويسكنها أناس من اليهود، حرم
الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم في يوم سبتهم بيضا سمانا، وفي
غير يوم السبت لا تأتيهم إلا بمشقة، وحدث أن اصطاد أحدهم حوتا يوم السبت، وشواه، فوجد
جيرانه رائحة الشواء تملأ القرية، وأحل نصف القرية أكل لحم الحوت، ورفض نصفها الآخر،
وأقسموا: «والله ما نساكنكم في مكان أنتم فيه.» وخرجوا من السور، وصرخ: «قردة الله ولها
أذناب تتعاوى. ثم نزل ففتح الباب، وتدافعت الناس عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم
تعرف الإنس أنسابها من القردة، فكان يأتي القرد إلى نسيبه وقريبه ويختلي به، فيسأله الإنسي:
أنت فلان، فيشير برأسه؛ أي نعم، ويبكي.»
وفي قول آخر: «فقدت - أو مسخت - أمة من بني إسرائيل، لا أدري ما فعلت، ولا أراها إلا
الفأر، ألا ترونها، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربها، وإذا وضع لها ألبان غيرها
شربتها.»
ولم تتوقف حدود مسخ الأمم والأقوام - المفتقدة - عند التحول إلى القردة أو الجان أو
الخنازير؛ إذ يقال إن أحد الخلفاء رفض أن يأكل ضبا، والضب محلل أكله، وقال: «لا أدري
لعله من القرون التي مسخت.»
17
ولعل موجز هذا الفصل أن أفكار القدرية والدهرية التي كانت تغرق ماضي بلداننا العربية منذ
منبت الإنسان المستهدف للعقل على أرض هذا الجزء من العالم؛ هي بذاتها لا تزال تحكم مخيلة
شعوبنا، وتكبل إرادتنا، وبالتالي تشل طاقاتنا الخلاقة. أليس كذلك؟
الفصل السابع
| خرافات الجن والشياطين والعفاريت والرياح
وقد ترجع أغلب معتقداتنا وتصوراتنا التي ما تزال تتواتر في مجتمعاتنا المعاصرة، عن الجن
ومواطنهم ومصاهرتهم للإنس وقبائلهم، وكذلك الغيلان والسعالي - أو السلعوة - والعفاريت
والرياح والنداهات والنفرات وسكان ما تحت الأرض ... إلخ؛ ترجع بكاملها منحدرة من المتعرية
البائدين - الألف الرابعة قبل الميلاد - وبشكل أخص سكان الجنوب (اليمن) القحطانيين؛ نظرا
لتيسر اتصالاتهم المبكرة بالفرس المجوس في إيران، والتي يرجعها البعض إلى الألف الثالثة
ق.م، حين أخضع الملوك القحطانيون الفرس، ومنهم ملوكها مثل الضحاك بن مرداس، وذو
الأذعار.
فلقد لعب موقع اليمن وقربها من البحر الأحمر جغرافيا على خط الاتصال بالهند وفارس