وكان زوجها عمرو بن مزيقيا، يكنى ب «ماء المزن» أو مأرب، أو «ماه رب» وهي كلمة آشورية
بمعنى البلد والسهل والوادي، كما أن «ماه» بالفارسية تعني القمر.
وكان ابن عمرو بن مزيقيا يدعى ثعلبة العنقاء، وهو «جد الأنصار من الأوس والخزرج».
وأمرت هذه الكاهنة قومها من العرب الغساسنة بالنزول إلى الشام، فتملكوا عكاء، بعد أن
هادنوا ملكها «سملقة بن حباب العكي» ونزلوا غربي عكاء.
ورفض ثعلبة العنقاء قتالهم، متمثلا قول سلفه يعرب بن قحطان: «ويل للمنزول عليه من
النازل.»
إلى أن تروي هذه الخرافة عن تدخل «جذع بن سنان» وهو من الجن، فأوقع بين الغساسنة وأبناء
أعمامهم أهل عكاء إلى أن قتلهم الغساسنة ونفوهم من الشام، ثم أشارت عليهم الكاهنة بالمسير
إلى همدان، فتملكوها، وهكذا سارت بهم إلى نجران، تستحثهم على القتال وتخطب في المحاربين،
وترسم الخطط، وكانت تسكنهم قبيلة قبيلة، فملكت قبائل الأزد عمان، وملكت الأوس والخزرج «يثرب
ذات النخل» أو المدينة، وأنزلت همدان «نو العراق بابل»، ونزلت علبة أو جفنة بن عامر بن غسان
دمشق، وأنزلت قبائل السراة بن غسان تهامة.
وكانت في كل مرة تقول هذه الكاهنة كلاما مسجوعا، كأن تقول: «خذوا البعير الشدقم،
فانحروه وخضبوه بالدم، حتى تأتوا أرض جرهم.» ثم حاربوا قبائل جرهم وبني إسماعيل، «فهزموهم
حتى أدخلوهم مكة واستغاثوا بالحرم.»
وكانت مكة آخر مطاف تلك الهجرة القحطانية التي تزعمتهم هذه الإلهة الكاهنة الأم المدعوة
«طريفة»، مثلما تزعمت سارة الإلهة الأم لقبيلة إبراهيم القبائل العبرية الرعوية، وضرتها
هاجر قبيلة الهاجريين والإسماعيليين، وعبرتا الأمازون الليبيات القبائل الليبية ... إلخ.
وقبل موتها تنبأت لخليفتها بعد ذلك بقرون، الكاهن الجاهلي الخرافي «شق الذي يعلم ما حل
وما دق»، والذي تنبأت طريفة بمجيئه قبل أن يولد، مقسمة ب «الاسم والربا، والعلم والأبا،
والنور والضيا، إنه يولد في - قبائل - تميم ابن عم، ليس له مفصل ولا عظم، يخرج ممسوخا، ثم
تموت أمه لسبع ليال، وينبئ - أي شق - بالزيادة والنقصان إلى فراغ الحق والزمان، وأقسم
بالنور والفلق، ما له رأس ولا عنق.»
وبعد أن ماتت أمه لسبع ليال، أتوا به طريفة: «ففتحت فمه، فنفثت فيه، وقالت: لا تسقوه لبن
امرأة إلى بلوغه. ثم قالت: أنت خليفتي من بعدي.»
وينسب لطريفة هذه أنها أول من سمت العروبة، قبل موتها:
إن ابنة الخير لها أعجوبة
وميتة تقضي لها مكتوبة
تودي بها في ليلة العروبة
وماتت طريفة في «ليلة الجمعة، في عقبة الجحفة، فقبرها هناك مشهور».
وروى العرب الجاهليون الخرافات تلو الخرافات حول ذلك الكائن الذي تنبأت به طريفة فقيل:
«كان الشق بن أنمار بن نزار هذا شق إنسان، له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة، وكذلك كانوا
يعتقدون «فيما يماثله» وهو سطيح بأنه ابن مازن بن غسان، وكان يدرج كما يدرج الثوب، ولا عظم
فيه إلا الجمجمة.» وقالوا بأنهما «كانا شخصيتين بلا رأس ولا عنق، وكانا من أشهر الكهنة
الجاهليين، وأن كسرى استدعاهما ليفسرا له رؤياه، كما أنهم تصوروا شقا نصف آدمي، ونسبوا
إليه أنه أول من تنبأ بوقوع غزو الحبشة لليمن، وظهور الملك سيف بن ذي يزن الحميري.»
15
ويربط البعض بين شخصيتي شق وسطيح، بحسب ما أورده الرواة، وبين وجود القردة والنسانيس
باليمن - القديمة - بكثرة شديدة، منها ما ذكره الإصطخري: «وباليمن قرود كثيرة، بلغني أنها
تكثر حتى لا تطاق بجمع عظيم، وإذا اجتمعت كان لها كبير تتبعه، مثل اليعسوب للنحل، وبها دابة
تسمى العدار، بلغني أنها تطلب الإنسان فتقع عليه، فإن أصابت منه ذلك تدور جوف الإنسان
فانشق، ويحكى عن الغيلان بها من الأعجوبة ما لا أستجيز حكايته.»
16
وهذا ما دعا د. محمد عبد المعيد خان إلى الربط بين تصورهم لشكل شق وسطيح، وبين القردة،