«آمون».»
ويبدو أن أماكن التزين بالحلي والاحتفاء عامة بالأشياء، وهو ما يتبدى أكثر عند النساء
والأطفال، مثل العنق والأذن والأنف والجبهة والصدر؛ كانت أماكن لشعائر ورقى وأحجبة
وتعاويذ ومنفرات؛ اعتقادا فيما يكمن فيها من قوى سحرية خفية، تجلب البخت والسعد، وتطرد
النحس والشؤم، فالساميون من العرب عبدوا الأشياء من تمائم وأحجار وشجر ونبات وجبال ووهاد،
اعتقادا فيما يكمن ويسكن هذه الأشياء المادية من قوى غيبية، وعلى هذا علقوا الأجنحة
اليمنى لطيور بعينها على صدور الأطفال، واعتقدوا في رأس الهدهد وسن القطة والذئب والخنزير،
ذات الشكل الهلالي، نسبة إلى «الهلال» أو الإلهة الأم القمرية.
كما أنهم أكثروا من استعمال هذه الطلاسم والرقى والمعوذات والتعاويذ لدفع الأوبئة، مثل
الحمى ولدغ العقارب والحيات، بالإضافة إلى أغراضها الجنسية والعاطفية، ومنها ما كان الغرض
منه اتقاء الحسد و«النفاثات في العقد»، وشرور العين، و«النفس» الشريرة.
وهذه المعتقدات في مجملها، أمكن التعرف على منابتها الأولى منذ السومريين اللاساميين -
الألف الرابعة ق.م - منها الرقى والطلاسم والأحجبة، والعين الحاسدة أو القاتلة، والنفس أي
النفس الخالق الذي وهب به الإله الإنسان، حين نفخ في حلقه فخرج من دبره وهو - نفسه - النفس
القاتل المميت، فيقال عن المصاب والمريض والمعلول، أنه «منفوس»، كما قد يقولون «عائن»
و«عيون» مثل عين الآلهة الإناث عند السومريين والبابليين «حين سلطت عليه نظرة الموت»، التي
أردت بها ابنها قتيلا، وعين الأم سارة الحاسدة، التي كادت أن تقتل بها إسماعيل حين سلطتها
عليه فأرادته قتيلا، حتى أن أمه هاجر وارته تحت الرمل، وصلت لأصنامها.
فالنفس الخالق هو نفسه النفس المميت.
وتنسب إحدى أساطير القحطانيين، وما أكثرها وأخصبها، لكاهنة عريقة تدعى «طريفة»، أنها هي
التي وهبت الكاهن المتنبئ الخرافي الذي لقبوه بسطيح، ورووا عنه أنه عاش ثلاثين قرنا؛ النفس
الخالق.
وهي أسطورة قحطانية عريقة، تستوجب التأني، تنسب أحداثها لهجرات حميرية مصيرية بالنسبة
لمجرى وتاريخ أحداث الشرق الأدنى، ويؤرخ لها بما أعقب خراب سد مأرب.
فعندما وافت المنية الملك الكاهن عمران بن عامر، دعا أخاه عمرو بن مزيقيا، وأنبأه بخراب
البلاد، وبأهمية الزواج بالكاهنة طريفة، ومات عمران.
وعمرو سمي مزيقيا لأنه كانت تنسج له في كل سنة 360 حلة من الذهب الأحمر، وكان يأذن
للناس في الدخول، فإذا أرادوا الخروج خلعت حلته ومزقت؛ ولذلك سمي مزيقيا، ويقال إنه أخذ
سنته أو شعيرته هذه من ذي القرنين «يوم هتك عرشه ومزق حلته»، هذا ويبدو أنها كانت بمثابة
عيد أو شعيرة، تتصل بالآلهة الزراعية الممزقة.
وترد بكثرة شديدة في ذلك التاريخ الأسطوري للملوك اليمنيين، مرة في كيفية تمزيق الملك
لثيابه على مرأى من قومه، ومرة في طقوس هتك العري للشعب أو الملك - أو التبع - لعرشه،
بطريقة موسمية محدودة .
والملفت أن هذه التقليدة ما تزال سارية في الحواديت والبلاد الشفاهية المصرية
والعربية.
وتزوج عمرو بن مزيقيا الكاهنة طريفة، «وكان عمرو أعظم ملك بمأرب، وكان له تحت السد من
الجنات ما لا يحاط به، فكانت المرأة تمشي وعلى رأسها «مقطف»، فلا تصل إلى بيت جارتها إلا
وهي تملؤه من كل فاكهة، من غير أن تمس منها شيئا، حتى أنهم دعوا على أنفسهم «ربنا باعد بين
أسفارنا»، إلى أن أرسل الله عليهم السيل، فخرب السد، وهو ما هتف به الهاتف أو «الآتي» وأخبر
به طريفة في المنام، حتى زارها وقال لها: «ما تحبين يا طريفة، علم تطيب به نفسك، أو مولود
تقر به عينك؟» فقالت: بل علم تطيب به نفسي. فمر بيده على صدرها، ومسح بظاهر كفه على بطنها،
فعقمت، فكانت لا تلد، واتسعت في العلم وأعطيت منه حظا عظيما.»