تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي يهتف للإنسان والكهان بشكل أخص، وهو ما قد يتطابق مع الإيحاء والوحي.

وما يمكن إضافته هو أن صوت الهاتف لا يرد، بمعنى أنه لا خيار - وبالتالي مرد - لذلك الذي

يزوره الهاتف ويحط عليه ويتكشف له، فالموعودة أو البغي التي يجيئها الهاتف ويأمرها بترك

بيتها وزوجها، والنزول إلى الوعد والمكتوب، أي أن تصبح سائبة - أو سايبة - مشاعا «للرجال

دون النساء»؛ ليس في مقدورها الإفلات من صوت «الهاتف».

وفي «شفيقة» ومتولي بشكل أخص، يزور «الهاتف» شفيقة في قبرها، بعد أن تموت - أو هي تنتحر -

ويهتف بها أن تقوم، لتواصل قدرها وتفي ما كتب عليها، قائلا: «اللي عليك ما خلصش.» وكما هو

معروف، تقوم شفيقة من قبرها، وتعود بعد قيامها من عالم الموتى إلى معاودة الحياة المخططة

المقدورة لها.

فالهاتف هنا هو إله كامل، يحقق قيامة البغي، ولا مرد لقضائه.

فكان يمكن للهاتف الأمر بوأد البنات، كما كان في مقدوره منع وتحريم وأدهن.

وفي إحدى الحكايات التي صاحبت مولد كاهنة قريش الأم «سوداء بنت زهرة بن كلاب»، أنه كان من

عادة العرب وأد البنات إذا ما جاءت إلى الوجود ناقصة التكوين، كأن تكون كسيحة أو عوراء أو

برصاء أو زرقاء، ولما كانت تلك الكاهنة «سوداء»، قد ولدت على بعض هذه الصفات ورآها أبوها

كذلك أمر بوأدها، فأرسلها مع من جهز لها في الخلاء، وهم بدفنها، وأهال التراب عليها، فسمع

هاتفا يقول: «لا تئد الصبية، وخلها البرية.» فالتفت الحفار فلم ير شيئا، فعاد ليدفنها،

فسمع الهاتف يسجع سجعا كهنوتيا، يمنعه من وأدها، فكان أن عاد بها إلى أبيها، وأخبره بما

أشار به الهاتف، فتركها حتى كبرت وأصبحت كاهنة قريش، التي أنيط بها بعد رؤية البنات عقب

ولادتهن، وقول رأي أخير فيما يتصل بوأدهن أو العكس.

ويقال إن هذه الكاهنة هي التي منعت وأد آمنة بنت وهب.

كما يقال بأن سوداء بنت كلاب هذه كانت أول من ذكر «جهنم» في العرب.

وليكن واضحا أن مثل هذه الأفكار الميثولوجية عن جهنم والسعير والفردوس أو جنة عدن،

باختصار كل ما يتصل بأفكار الموت والقيامة؛ هي أفكار دخيلة، جلبتها هذه الكاهنة العرافة،

وغيرها من الشعراء الجاهليين، مثل عمرو بن لحي، وأمية بن أبي الصلت؛ من الشام، فيما بعد

القرن الخامس الميلادي.

ويبدو أن مفهوم الساميين - والعالم القديم عامة - عن الحلم كان هو بعينه الهاتف ، ذلك لا

مرد لأمره، فهو الذي كان يدفع بالملوك إلى قتل الأطفال الذكور، مثلما حدث مع نماردة بابل

والشام وملوك الفرس وفراعنة مصر لقتل الأطفال، بحسب روايات العرب والعبريين أصحاب

الوبر.

ونسب العرب الرؤى أو الأحلام أو الهواتف لأرواح خبيثة شيطانية، وأخرى مصدرها الإلهام

الإلهي، وكثيرا ما يأخذ الإلهام شكل متنبئات أو نساء قدريات، مثل كاهنة سبأ طريفة، وسوداء

بنت كلاب التي مر ذكرها، ومنهن أربع فتيات، لهن هيئة الإيرانيات في الميثولوجي الهليني،

ينشدن نبوءاتهن بطريقة شعرية كهنوتية، ويعرفن في الميثولوجيا العربية ب «صواحبات مصاد بن

مذعور القيني».

وعرفت الميثولوجيا الفرعونية «الهاتف» بحسب الرواية التي أوردها هردوت «بشأن الهاتفين

اللذين يوجد أحدهما عند اليونانيين، والآخر في ليبيا»، وحكى هردوت عن هذين الهاتفين أو

«الوحيين» حكايات تدور أحداثها حول مصر وليبيا وفينيقيا واليونان. وفي إحدى هذه الخرافات

يكون الهاتف على شكل كاهنة مقدسة، وفي رواية أخرى يكون على شكل حمامة سوداء، لها صوت آدمي،

فيقول هردوت: «طارت حمامتان سوداوان من طيبة التي في مصر، فذهبت إحداهما إلى ليبيا، وجاءت

الثانية إلى اليونانيين، وعندما حطت هذه فوق سنديانة، أعلنت - في صوت آدمي - أنه يجب

إنشاء هاتف لزيوس هناك، وأدرك القوم أن هذا نبأ جاءهم من إله، وتصديقا له أقاموا الهاتف. أما الحمامة التي توجهت إلى ليبيا، فتقول العرافات إنها أمرت الليبيين بإقامة وحي

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٥٠