تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العراف والعائف والساحر، وراقي الرقى، والتمائم، وسائل الجن والتوابع.

وتتبدى هذه الفكرة أو التضمينة عند اليهود في مرحلة متأخرة، في أحد أسفارهم الممنوعة،

فالهامة التي تخرج من رأس الميت عندما انطفأت حياته وعاد الجسم رمادا وانحلت الروح: «كنسيم

رقيق، وزالت حياتنا كأثر غمامة اضمحلت مثل ضباب يسوقه شعاع الشمس ويسقط بحرها»؛ فالهامة

هنا، مثلها مثل «النسيم الرقيق» أو الغمامة.

12

كما أن من معتقداتهم الخرافية الجاهلية التفرس في وجه الموتى من الأسلاف، وتصنيف الجن،

وإحلالها بين قرني الثور، وهو ما اتخذته الأرض الأم - بعد ذلك - التي تستقر على أحد قرني

الثور الإلهي، كما أنهم أفرطوا في اتخاذ العرافة والقيافة وزجر الطير والأحلام وخطوط الرمل،

وسكك الحصى، والتكهن والحدس والتنجيم، وكذلك التنبؤ والفراسة والاستقسام بالأزلام عند

الأصنام، وهي في مجملها معتقدات عرفها البابليون والكنعانيون والقبائل العبرية.

فمثلا عرفت القبائل العبرية العيافة بمعنى التنبؤ عن طريق ملاحظة حركات وسكنات الطيور

والحيوانات، وسموها «الشاق»، أي شق أجساد الحيوانات والطيور لدراسة أحشائها، واستخلاص

النبوءة، كما كان زجر الطيور والحيوانات في العربية يقابله ال «ليحوشيه» في العبرية، ومنها

نحش، وحنش، وهو ما يشير إلى العلاقة بين التابوت والثعبان. وكان الكاهن يلقب بالزاجر،

والتكهن يقال له «طيرة» في العربية والعبرية، والتطير بمعنى التشاؤم والتفاؤل، وينسب

لسليمان وذي القرنين والحكيم لقمان معرفة لغة الطير، وطرق التطير، وإمكانية إحكامه والسيطرة

عليه.

وكان للكلدانيين - العراقيين - شهرة لا تبارى في معرفة أساليب التطير، عن طريق قراءة رئة

الطيور وأكبادها وأحشائها.

وكانوا يتشاءمون ويتطيرون من المرأة والدار والفرس، وعتبات البيوت ومداخلها، والغراب أو

غراب البين، أو الغراب الأسود، وحتى العطاس والسعال، كانوا يتشاءمون منه.

13

ولقد أجمع العرب والعبريون على اعتبار الغربان والبوم من الحيوانات النجسة المشئومة،

وسموا البومة ب «أم الصبيان»

14 (أم الخراب) واعتبروها الهامة التي تخرج من رأس القتيل، تحجل بلا توقف على

قبره، في طلب الثأر والدم.

وترد أعظم الأساطير المتصلة بالأحلام عند الساميين في قصص يوسف الصديق، وكيف أن سبب

مأساته مرجعها إلى أحلامه، حين «حلم يوسف حلما وأخبر إخوته، فازدادوا أيضا بغضا له، فقال

لهم: اسمعوا هذا الحلم الذي حلمت، فها نحن حازمون حزما في الحقل، وإذا حزمتي قامت وانتصبت

فأحاطت حزمكم وسجدت لحزمتي. فقال له إخوته: لعلك تملك علينا ملكا أم تتسلط علينا تسلطا.»

وكان أن حقدوا عليه واحتالوا ليميتوه، حين أرسله أبوه لهم: «اذهب انظر سلامة إخوتك وسلامة

الغنم ورد لي خبرا.» فلما أبصره إخوته قادما احتالوا ليقتلوه: «فقال بعضهم لبعض، هو ذا

صاحب الأحلام قادم، فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول وحش رديء أكله، فنرى ماذا

تكون أحلامه.»

وتتوالى هذه القصة، متجمعة، لتثبت صحة حلم يوسف وتفوقه على إخوته بل وبيت أبيه بعامة،

وإنقاذه لهم من القحط والمجاعة.

بل إن دور يوسف في مصر لم يتعد أنه كان موهوبا في تفسير الأحلام، منها حلم خصيي

فرعون؛ رئيس السقاة، ورئيس الخبازين، ثم تفسيره حلم فرعون مصر، فكان أن جعله فرعون نائبه:

«أنت تكون على بيتي، وعلى فمك يقبل جميع شعبي، إلا أن الكرسي - الذي أكون فيه - أعظم

منك.»

كما أن الكلدانيين والعرب العبريين تشاءموا من بعض الثيران ومن الحية والثعلب والأعور

والمرأة الطامث، والرأس المستطيلة، مثل الشمامة.

كما قد يتوحد «الهاتف» مع الدهر والقدر والزمن والماني - بمعنى القادر والعاطي - والدنيا

... إلخ ولقد شبه العرب «الهاتف» بمعنى الرائي، وكان العبريون الجاهليون يلقبون النبي بالرائي

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٤٩