تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليد اليمنى، أدركته قريش، فجعلت له يد من الذهب»، وكان قربان هذا الإله مائة بعير.

ويبدو أن العرب الجاهليين قد أحلوا لشعائر الحظ والميسر والبخت أن تتحكم وتشرع في معظم

حياتهم وأفعالهم، وهو ما نهى عنه الإسلام بعد ذلك، مثل ما كان يعرف عندهم بالبحيرة

والسائبة والوصيلة والميسر والحام والاستقسام بالأزلام، وكانت تشريعاتهم التي أخذ بها أصحاب

الوبر غير تلك التي اختصت بأصحاب الحرث أو الزرع؛ فكانت البحيرة والسائبة والوصيلة والحام

شعائر متصلة بأصحاب الوبر، كأن يسيب أو يندر للآلهة البهائم أو البشر، فتصبح في حكم

المحرمات، منافعها للرجال دون النساء، وهو تعبير ما يزال متواترا حتى الآن، ويطلق على

البغايا من النساء، فيقال مثلا: «إن ابنة فلان سايبة»، بمعنى أنها حق مشاع للرجال.

ولجأوا إلى ضرب القداح أو «الاستقسام بالأزلام» في كل صغائر وكبائر حياتهم، مثل الخصومات

والحرب وانتساب الأطفال، وكل ما يتصل بعلاقة الرجل بالمرأة.

وأطلقوا على طريقة تقسيم الذبائح اسم الميسر، والبدء، والنصيب، وعلى هذا تحكمت الحظوظ

والبخوت، في كل مصائر الناس.

وكانت تلك الأقداح التي كتبوا عليها «العقل » و«السعد» أو «نعم» و«لا»؛ هي المتحكم الأخير،

في الحروب والإغارات وحفر الآبار وتقديم الهبات واختيار الحكام والكهنة وسدنة الكعبة،

وهكذا.

وأغلب هذه الشعائر والأفعال والمعتقدات ما تزال محفوظة متداولة في الفولكلور المصري

والعربي عامة، منها الحكايات الخرافية التي تدور حول «خروج العقل» و«إحلال السعد» و«ضرب

الزهر وانكساره»، ومنها أن شعيرة ضرب الأقداح تحولت إلى إحدى ألعاب الحظ والزهر، يمكن

التعرف عليها في الموالد الموسمية الشعبية، في لعبة الكيزان.

وكثيرا ما كان المتعقلون من الشعراء العرب يسبون آلهتهم، ويسخطون على ما تشير به من

إتيان الكوارث والخراب، ذلك الذي يخضع بكامله لتلك الحظوظ العشوائية، التي تحكم نواصيها

الصدفة، مثلما يتضح من هذه الأبيات التي تنسب لامرئ القيس يسب فيها الصنم الإله ذا الخلصة،

وكان قد نهاه عن الحرب طلبا لثأر أبيه القتيل:

لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا

مثلي وكان شيخك المقبورا

لم تنه عن قتل العداة زورا

ولا حد لخصوبة معتقداتهم التي ما تزال تتلمس طريقها خلال حياتنا المعاشية اليوم، مثل

«الهامة» التي تخرج من رأس القتيل في شكل طائر هائم مرفرف، يبتغي القصاص، يظل يصرخ ويندب:

«اسقوني اسقوني»، إلى أن تراق دماء مغتاليه، فيروى ويسكن.

وتتبدى هذه الفكرة أو التضحية عند اليهود في أحد أسفارهم الممنوعة، وهو سفر الحكمة، ويرى

البعض أن مصدرها القبائل العبرية العربية: بني القريظة، وبني النضير، وبني قينقاع.

ومنها ما يتصل بتقاليد الموت المتوارثة، مثل «النعي» العلني، أي أن يركب كل ناع أو معز

فرسه، يصرخ بعلو صوته: «أنا فلان الفلاني أنعى الميت فلان»، والرثاءة أو الندابة أو

النواحة، وما يتبع مراسم الموت والدفن والمأتم، مثل شق الجيوب، وجنازات النساء، وتعقير

التراب، وحلق الشعر، وهي تلك العادات الواسعة الانتشار لدى كل المجتمعات السامية، بل

والمصرية القديمة، مثل احتراف الندب، وسبعة أيام للعزاء، واستئجار الندابات، وهو ما كان

معروفا لدى المصريين القدماء والعبريين والبابليين.

وكانوا يقولون للميت وهم يوارونه التراب: «لا تبعد»:

يقولون «لا تبعد» وهم يدفنونني

وأين مكان البعد إلا مكانيا

وكانوا يعظمون أو هم يعبدون موتاهم وأسلافهم، فيحجون إلى القبور، ويحلقون شعرهم عندها،

ويذبحون لها، ويعقدون المناحات والإشادة بفضائل الميت، ويسكرون ويسكبون بعض الخمر ليشرب

الميت، ومثلهم كان يفعل العبريون؛ «إذ كانوا يخرجون حصة مما يأكلونه لتكون من نصيب

الموتى.»

فكان العرب الجاهليون مثلهم مثل العبريين، مفرطين في هذه المعتقدات، ومن هنا جاء دور

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٤٨