ومن هذه الآلهة الدهرية القدرية إلهة القمر السبئي نسر أو نسور، الذي ورد في نصوص المسند
والسبئية باسم «بيت نسور»، بل لقد أطلق على أهل سبأ بعامة «أهل نسور»، ويبدو أنه كان لهم
مذهب ديني شبه مميز، نسبة إلى عبادة النسر أو النسور، وسمي معه أيضا أحد رموز السنة
السبئية المتأخرة «ذي النسور».
وتشير الأسطورة التي أوردها عبيد بن شريه الجرهمي عن الحكيم لقمان بن عاد صاحب النسور أو
«ذي نسور» الذي ارتبط موته بفناء نسوره السبعة، وكانت أسماء هذه النسور على التوالي:
المصون، وعرض، وخلف، ومغبغب، واليسر أو الميسرة - أي الحظ - وأنسا - أي لقمان الأنس، وكان
سابعها هو النسر لبد، وفسر عبيد الجرهمي «لبد» بمعنى الدهر، بل إن لقمان نفسه عرف «لبد»
بالأبد أو الأبدية.
فحين وافت المنية ذلك النسر السابع «لبد»، وسقط مشرفا على الموت، ولم يطق أن ينهض، وتفسخ
ريشه؛ هال ذلك لقمان هولا عظيما.
ووقع موته منه موقعا جسيما، وناداه: انهض «لبد» أنت الأبد. وأنشد لقمان يبكي
نفسه:
موتي أني أموت اليوم يا لبد
وحسرتي أن قد تعرم الأبد
فطر كما كنت سالما أبدا
تحيا ونحيا معا ونحتفد
ويلاحظ في الأسماء السبعة التي أطلقها لقمان على نسوره السبعة أنها من الأسماء التي
تطلق على الخلفة والذرية، مثل «خلف» و«المصون» و«عوض»، وعوض أيضا اسم للإله الجاهلي -
القدري - عوض.
كما يلاحظ أن الإله القمري «نسر» الذي يتوحد بالدهر والزمن، هو ما أصبح رمزا قوميا
لدى أغلب الشعوب العربية والسامية عامة.
كذلك فإنه مما يثير الالتفات، تلقيب لقمان لنسره الخامس باسم الميسر، أو الميسرة، وهي
كلمة مرادفة للحظ والسعد، ومنها جاء الميسر بمعنى القمار.
ومن المعروف عن المقامرة «أنها نوع من التكهن والاستشارة، أنها جواب الآلهة للسائل»، ولعب
الميسر كان في منشئه شعيرة فلكية لاهوتية مثلها في هذا مثل القرعة.
فيقال إنه كان هناك اعتقاد شعبي شائع لدى المصريين القدماء مؤداه أن الأيام الخمسة
النسيئة المنتزعة من السنة المصرية القديمة بحسب التقويم الفرعوني السنوي؛ ما هي إلا الأيام
الخمسة التي كسبها الإله تحوت أو هرمس، إله الكتابة، حين لاعب الإلهة القمرية الأم «إيزيس»
الدومينو أو السيجة، وكسب منها، وكانت هذه الأيام الخمسة بمثابة ميلاد للآلهة المصرية
الخمسة: أوزوريس، حورس، ست، إيزيس، نفتيس. فأصبحت بعد ذلك بمثابة أعياد سنوية - خارج الزمن
أو الدهر - يجري الاحتفال بها في جزيرة البيت المضيء، التي عرفت باسم فاروس، وهي ما أصبحت
مدينة الإسكندرية فيما بعد.
والذي أود توضيحه هو أن ثمة علاقة دينية بين لعب القمار أو الميسر وبين التقويم الفلكي
اللاهوتي، منذ فترات مبكرة جدا، عند أغلب الشعوب الآسيوية.
وقد يلقى المسعودي تفسيرا أوضح للعلاقة المبكرة بين الميسر أو لعب القمار أو الزهر -
الطاولة - وبين «اللاهوتي» الفلكي أو الزمن الذي هو الدهر، يقول : «وقد ذكر أن أردشير بن
بابك، أول من صنع النرد، ولعب بها، وجعل بيوتها اثني عشر بيتا، بعدد الشهور، وجعل كلابها
ثلاثين كلبا، بعدد أيام الشهر، وجعل الفصين مثلا للفوز وتقلبه بأهل الدنيا.»
وكان منوطا بالإله هبل، الذي استقدمه الكاهن عمرو بن لحي الجرهمي، ونصبه في جوف الكعبة؛
ضرب القداح، وما من أمر قام به العربي الجاهلي لم يستشر فيه هبل، فكان في جوف الكعبة، قدامه
سبعة أقداح، مكتوب في أولها «صريح» والآخر «ملصق»، فإذا شكوا في مولود أهدوا إليه هدية، ثم
ضربوا بالقداح، فإن خرج «صريح» ألحقوه، وإن خرج «ملصق» دفعوه، فكان لكل مطلب قدح: قدح على
الميت، وقدح على النكاح، وقدح للاختصام والسفر والعمل.
ويبدو أن الجاهليين كانوا قد استقدموا صنمه من خارج الجزيرة العربية، ويرجع أنهم جاءوا
به من العراق؛ إذ إن تمثاله بحسب وصف ابن الكلبي كان «من عقيق أحمر على صورة إنسان، مكسور