تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول: «إذا نزل القضاء عمي البصر»، وكل حي ميت، وكل جديد إلى زوال، و«لدوا للموت وابنوا

للخراب»، والنسر يقول: «يا ابن آدم، عش ما شئت فإنك ميت.»

ويقول الطبري:

إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب! فجرى في تلك الساعة بما هو كائن. ويقال إن

القلم سأل الرب قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى القلم في تلك الساعة

بما كان هو كائن إلى الأبد.

8

فيقال إن «الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه

على الماء.»

ولقد درات حول الملك النبي «داود» عديد من الأساطير التي تكشف جزعه من الموت، مثل سلفه

«سام بن نوح»، وترد هذه الأساطير والخرافات في صور ومصادر كثيرة ومتنوعة، منها أن آدم سأل

الله عن «داود» فقال له الله: هذا ابنك داود. ولما سأل عن عمر داود، قال له الله: ستون سنة. فقال آدم: رب زد في عمره. فرفض الله قائلا: لا، بل تزيده أنت من عمرك. ولما كان عمر آدم

ألف سنة فقد وهب لداود من عمره أربعين عاما، فكتب الله عليه بذلك كتابا، وأشهد عليه

الملائكة، لكن عندما حضرت المنية آدم وأشرف على الموت، جعل يخاصمهم في الأربعين سنة التي

كان قد وهبها لداود.

وتنفرد إحدى أساطير «الخضر» معللة السبب في أن الخضر حي خالد لا يموت؛ لأنه هو الذي قام

بدفن جثمان آدم؛ ولهذا أصبح الخضر أطول بني آدم عمرا، و«الخضر» أو «الرجل الأخضر» هو الذي

قال عنه الرب في العهد القديم: «أنت الخضر، وكلما مست قدماك الأرض اخضرت.»

ويقال إنه عندما حضرت الوفاة آدم، جمع بنيه وقال لهم: إن الله منزل على الأرض عذابا،

فليكن جسدي معكم بالمغارة، حتى إذا هبطتم، فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام. فكان جسده معهم

إلى أن بعث نوحا، وضم الجثمان معه، إلى أن وقع الطوفان الذي أغرق الأرض زمانا، فجاء نوح

حتى نزل ببابل وأوصى بنيه الثلاثة، سام ويافث وحام، أن يذهبوا بالجثمان إلى المكان الذي

أمرهم أن يدفنوه به، فقالوا: «الأرض وحشة ولا أنيس بها، ولا نهتدي الطريق.» فقال لهم نوح:

«إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة.» فلم يزل جسد آدم حتى كان

«الخضر» هو الذي تولى دفنه، «وهو يحيا إلى ما شاء الله أن يحيا.»

وتربط الميثولوجيا العربية بين أساطير الخلق والبدء وبين أفكار القدرية والجبرية والدهر

الذي وحده وعبده الساميون بعامة، ثم العرب الجاهليون خاصة ، الذين عبدوا الدهر والقدر

والماني أو المنايا في هيئة أصنام، فكان الصنم منايا أو مناة من أقدم المعبودات

الجاهلية.

ويذكر هشام الكلبي أن صنم الإلهة مناة كان منصوبا على ساحل البحر، بين مكة والمدينة،

9

وكان معبودا لقبائل الأوس والخزرج من أهل يثرب.

ويضيف ابن الكلبي: أن العرب جميعا كانوا يعظمون الإلهة «مناة»، ويذبحون لصنمها الذبائح،

كما أنهم تسموا باسمها «عبد مناة، وزيد مناة، وتيم مناة» ... إلخ.

والإلهة «مناة» من منشئها إلهة الموت والقدر عند البابليين العراقيين، وعرفت بنفس

اسمها العربي عندهم «مامانتو»،

10

وعن البابليين عرفها الكنعانيون، والآراميون، والأنباط، إلى أن وصلت العرب فيما

بعد، فعرفوها بنفس الاسم أو ما يقاربه «منى»، وذكرت منى متوحدة مع الإله «جاد» إله قبيلة

جاد في العهد القديم.

11

ويشير الجمع بين هذين الإلهين، منى وجاد، إلى ارتباط المنايا والأقدار بالتنبؤ ومعرفة

المستقبل، الذي ارتبطت المعرفة فيه بالإله «جد» أو «جاد» والذي من اسمه تسمت قبائل جاد

العبرية.

كما أن الإله جد أو جاد كان من آلهة القبائل الثمودية المندثرة قبل منى أو مناة، وكهل ... إلخ. ومن اسم جاد تسمى الإله «بعل جاد» عند اليهود والآراميين والعرب الشماليين في سوريا،

وكان يعرف بإله السعد والحظوظ والمستقبل عامة.

ومن هنا يأتي ارتباطه بالآلهة الدهرية والقدرية.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٤٦