سنة، أتاه ملك الموت وسأله: يا نوح، يا أبا كبير الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب
الدعوة؛ كيف رأيت الدنيا؟ قال: كبيت له بابان، دخلت من باب وخرجت من الآخر.»
ومما تناثر حول خرافات لقمان ونسوره السبعة وتشبثه بالخلود، ينسب لشاعر يدعى «يثم
اللات» شعر يقول فيه:
رأيت الفتى ينسى من الدهر حقه
حذار لريب الدهر والدهر آكله
ولو عاش ما عاشت للقمان أنسر
لصرف الليالي بعد ذلك يأكله
ولقد وحد العرب الأوائل في أشعارهم وأقوالهم بين نبيهم أو إلههم الأب «هود الذي كان قد
أرسل إلى قبائل عاد البائدة»، وهو الذي سلط على قوم عاد طوفان الرياح وأبادهم من
الوجود.
وفي إحدى القصائد الأسطورية التي تنسب إلى امرأة كاهنة تدعى هزيلة، أجابت قومها حين
سألوها عما حدث لقوم عاد، فقالت هزيلة: «سأقول شعرا وأرويه الجرادة تسمعكموه»،
وقالت:
إن عادا آثرت حقا على الرشد الصدودا
لم تقل في غيها حين عتت قولا سديدا
بل طغت بغيا وقالت لن نطيع الدهر هودا
عابدين من ضلال صنما يدعى الصمودا
وفي هذا الشعر يبدو واضحا توحد النبي - الإله «هود» - بالدهر الذي خلف اسمه على قصور
ومعابد وقبائل «دهر»، والذي من اسمه اشتق «جبل ضهر»، فيقال إن «من ضهر خرج سبعة فراعنة
حكموا مصر.»
بل إن الاسم الكامل لهود قد يزيد الأمر وضوحا، فهو «هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد».
3
والغريب أن قائل هذا الشعر - التالي - يتحسر على أن «بنات الدهر» رمينه غيلة فأصبن
منه مقتلا، دون أن يكون في مقدوره الرد على مغتاليه، «وكانوا يصفون الدهر بالرامي أي ذلك
الذي لا يخطئ الرماية»:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أدري
فما بال من رمى وليس برام
فلو أن ما أرمى بنبل رميتها
ولكنما أرمى بغير سهام
وأفنى ولا أفنى من الدهر ليلة
وما يغني ما أفنيت ملك نظامي
كما تصوروا الدهر ساقيا يسقي الإنسان كأس المنايا:
أسلموا للمنون عبد يغوث
وبعض الكهول حولا يراها
بعد ألف سقوا المنية صرفا
فأصابت في ذاك سعد مناها
ووسع العرب الجاهليون في مفهوم وخرافات الدهر فقالوا: «يد الدهر» و«ريب الدهر» و«عدواء
الدهر» و«غلواء الدهر.» كما قالوا:
ما هي إلا حياتنا
الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر .
4
وعلى هذا أنكر هؤلاء الدهريون الخالق والبعث، وإن كانوا قد توسلوا من جانب آخر إلى الدهر
والزمن والدنيا، والغريب أنهم كثيرا ما ارتدوا، واندفعوا يسبون ذلك القادر أو المعطي أو
«الماني»، فكانوا إذا وقعت بهم الكوارث يسبون الدهر ويلعنونه.
ومن هنا يتضح أن الدهر هو ذلك الإله القادر المهيمن والمتحكم في المصائر والأعمار
واستمرار العالم.
وفي الأحاديث النبوية يتوحد الدهر بالله تمام التوحد، وذلك حين نهى النبي بشدة عن لعن
الدهر: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»، أو «فإن الدهر هو الله.» ومن حديث: «يؤذيني ابن
آدم؛ يسب الدهر، وإنما أنا الدهر ... أقلب الليل والنهار.»
5
وكان أصحاب الوبر بعامة من عرب وعبريين لا يؤمنون بالبعث والقيامة، وهي تلك
الأفكار التي اكتملت مؤخرا في الميثولوجيا السامية، خاصة عند البدو والرعاة، فقالوا:
«فإنما حياتنا ظل يمضي ولا مرجع لنا بعد الموت؛ لأنه يختم علينا فلا يعود أحد.»
6
وقال البعض إن الدهر اسم من أسماء الله الحسنى، وكذلك فقد تبدت هذه العقائد القدرية عند
أغلب فحول الشعراء الجاهليين، مثل أمية بن أبي الصلت، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد، وسويد بن
عامر المصطلقي، وهو القائل:
لا تأمنن وإن أمسيت من حرم
حتى تلاقي ما يمني لك الماني
فالخير والشر مقرونان في قرن
بكل ذلك يأتيك الجديدان
والشاعر أبو ذؤيب الهذلي، الذي قال:
أمن المنون وريبها تتوجع
والدهر ليس بمعتب من يجزع
ومن تصوراتهم التي أنطقوها الحيوانات والطيور، حول الموت وحلول القضاء،
7
ما فسر سليمان به غناء البلبل: «أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء»، والهدهد