تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمنايا، والحتف، والآجال، والحمام، والمنون، والقضاء والقدر، والمقدر، والزمان، والأيام،

والليالي، والخطوب.

ولقد وحد الساميون الأوائل من القبائل العربية البائدة بين القدر أو الدهر أو المنايا

وبين الله، وكذلك تسمت آلهتهم باسم «منى» ومناة، وهي الأخت الثالثة من بنات الله الثلاث كما

كانت معروفة بهذه الصفة والاسم منذ البابليين الأوائل (2800ق.م) وعنهم أخذتها بقية الشعوب

والقبائل السامية، خاصة العرب الجاهليين فيما بعد.

وتؤدي لفظة «مناة» معنى القدر، ومنها «الماني» بمعنى القادر، نسبة إلى ابن ماني، الذي

قتله الملك «بهرام» ملك الفرس وقال له: «أنت الذي تقول بتحريم النكاح، يستعجل فناء العالم»،

ومنها جاءت تسمية المذاهب «المنانية» أو «الماناوية» نسبة إلى «ماني» وكان راهبا بحران

وأحدث «دين المنانية». والمنية تعني الموت، أو أن الموت مقدر محسوب. ويبدو أن لفظة «منية»

كلمة سامية مشتركة، وردت في أغلب لهجات الشعوب والقبائل السامية، ويرى البعض أنها مرتبطة

بالإلهة البابلية «مامانتو» وعنهم أخذها الكنعانيون ولقبوها «منى»، والإلهة الثمودية

«منوات» ثم «منات» عند العرب الجاهليين، ومنها «عوض» وهو اسم صنم، وحده الشعراء مع الدهر،

و«عوض» كان اسم صنم أو معبود قبيلة بكر بن وائل.

بل إن المستشرق «نولدكه» يرى أن كل هذه المترادفات للقدر والمنون والدهر والموت ما هي إلا

أسماء لآلهة دهرية «وليست أسماء أعلام».

ولقد وحد قدامى العرب خاصة القحطانيين سكان اليمن بين الدهر وبين الموت الذي يلتهم

الرجال، كما جاء في قصيدة تنسب «لامرئ القيس» بن حجر المقصور بن الحرث آكل المرار الكندي،

يذكر ذا القرنين الصعب ذي مرائد الحميري:

ألم يخبرك أن الدهر غول

ختور العهد يلتهم الرجالا

وروت أساطير الحميريين وأفاضت عن بحث ملوكهم عن ماء الحياة الذي يهب الخلود، ومنها مصاحبة

الخضر لذي القرنين في رحلة عبورية جابا فيها ربوع الأرض، وعندما وافت «المنية» ذا القرنين

دعا الخضر وأنشد:

لما رأيت من المنون وعيدا

قوضت رحلك سحره تجديدا

هتكت خطوب الدهر عزك هتكة

أمسى حسامك دونها مغمودا

سيموت من تنسى المنية يومه

وتنال بنت الدهر منه بعيدا

ومن أشعارهم التي تنسب لأحد ملوكهم «عبد المسيح بن بقيلة»، الذي وجد على قبره أنه عاش

مائة عام وقتل في مبارزة:

حلبت الدهر أشطره حياتي

ونلت من المنى بلغ المزيد

وكافحت الأمور وكافحتني

فلم أخضع لمعضلة كئود

وكدت أنال بالشرف الثريا

ولكن لا سبيل إلى الخلود

1

كما أن من الأشعار المنسوبة لابنه «مضاض بن عبد المسيح» في رفضه وزهده عيشة

الدنيا:

منزلا قد تحكم الدهر فيه

ليس للنازلين فيه ثبات

2

وتكشف قبوريات ومراثي أولئك الملوك الحميريين عن موقف غريب معاد في جوهرة للدهر كمرادف

للموت، بل كثيرا ما يسخط من قضية الباطشين التي تذهب بالإنسان وتغيبه، ولكنه كثيرا ما

يغرقه التساؤل، فبأي حق يكون دوام الدهر متمثلا في تعاقب الليل والنهار دون الإنسان، وهو

في النهاية يستصغر من شأن الدهر وعشوائيته ويصفه بأنه غير جدير بالمعاتبة، أي إن الدهر دون

مستوى العتب:

أقول وقد فاضت بعيني عبرة

أرى الدهر يبقى والأخلاء تذهب

أخلاي لو غير الحمام أصابكم

عتبت ولكن ما على الدهر معتب

وفي إحدى أساطيرهم ما يشير إلى أن سام بن نوح أبو كل الأقوام السامية كان جزوعا مرعوبا

من الموت كما يقول وهب: «وكان سام جزوعا من الموت، فسأل نوح الله ألا يميته حتى يسأل الموت

- أي حتى يطلب سام نفسه الموت - فعاش أربعة آلاف عام، بنى ألفين وعمر ألفين، إلى أن سئم

الحياة واعتل، فسأل ربه الموت فمات.»

وعندما سئل سام بعد موته عن الكيفية التي رأى بها الحياة قال:

كبيت من بابين، دخلت من هذا وخرجت من ذاك.

ويورد «الساجستاني» تضمينة مرادفة للفكرة السابقة، نسبها إلى نوح: «فبعد أن عاش نوح 1450

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٤٤