الآلهة - ومنتوا أو مناة، وهبل، وشيع القوم، أو حامي القوم»، وهو إله القوافل والسواقين
فيما بعد إلى اليوم.
وكانت آلهة ممالك تدمر في اليمن هي الإلهة بل أو بعل أو الناقة، وإله القوافل «شيع القوم،
وشمس، واللات، وإيل»، كما كان من ألقاب وصفات أو نعوت هذه الآلهة التي حفظتها نصوص المسند
«رب العالم» و«الله المحسن» و«رب العالمين» و«الرحمن» و«المتجبر» ... إلخ.
ويلاحظ عند مقارنة نصوص المسند التي خلفتها القبائل العربية البائدة بقسميها اليمني
والحجازي أو الجنوبي والشمالي، مع ما تناقله الرواة والمثولوجيون والأخباريون العرب؛ أنه لم
يكن هناك اختلاف كبير طبعا بين التراثين المدون والشفاهي، ومعنى هذا أن القبائل المندثرة
أورثت لاحقتها من العرب العاربة أو عرب الجاهلية الأولى تراثها فأفاضت الأخيرة اللاحقة
عليه.
كما يلاحظ أن الاختلافات ليست كبيرة بين تراث المندثرين وتراث السومريين فيما بين
النهرين عن طريق وساطة البابليين والحثيين، كما يقول أرنولد توينبي وغيره.
كذلك يمكن ملاحظة أن تطور القسم الجنوبي اليمني القحطاني، عن شقيقه العدناني والحجازي في
نجد كان أسبق وأنضج؛ إذ إن اليمن واصلت انتقالاتها من عبادة الإلهة الأنثى القمرية إلى
الانقلاب - الشمس الذي تسمى به ملوكهم مثل عبد شمس بن يشجب بن سبأ.
أما الملاحظة العامة أو المجملة فتتركز حول عبادة تلك القبائل المبكرة التي ترجع إلى ما
قبل الألف الثالثة قبل الميلاد، للآلهة الفلكية أو السماوية، مثلها هذا مثل بقية الأقوام
السامية الزراعية في مصر والعراق والشام وفلسطين.
كما يلاحظ بشكل أخير أن معظم هذا التراث ما يزال يواصل نموه وسريانه في تراثنا المعاصر أو
في مجمل حياتنا اليومية، الآن وفي هذا المكان.
الفصل السادس
| الغيب والقدر والدهر في هذا التراث
يستوقف المتصدي لدراسة التراث الفولكلوري العربي المعاصر أول ما يستوقف؛ ذلك المدى الهائل
المتمثل في الإغراق في القدرية، والقسمة والنصيب، وأفعال الزمان ومكائده، وهي القدرية التي
قد لا يبرأ منها نص أو فكرة شفاهية، خاصة في تراثنا الفولكلوري المصري والعربي
بعامة.
ولقد وصل الأمر إلى حد أن القدرية والدهرية أصبحت ملمحا مميزا لتراثنا الفولكلوري؛ أي
إنه ما من جزئية أو «فكرة أو موتيفة» تصادف باحثا فولكلوريا في أية منطقة من العالم عن
القدر والقدرية، إلا ويمكن له إرجاعها إلى موطنها الأصلي الأم، وهو التراث السامي بعامة،
والعربي بشكل أخص، والإسلامي بشكل أكثر دقة.
ولقد سبق لموضوع القدر أن احتل منزلة واسعة من الجدل والبحث، خاصة عندما يعرف بعلماء
«الكلام» من العرب المسلمين فيما بعد، خاصة المعتزلة وغيرهم، أو ما تفرع عنهم من الشيع
مثل الجبرية، والصابئة، والمختلطة، والقدرية، والمرجئة، والوعدية - نسبة إلى الوعد أو القدر
والمكتوب - وكذلك الشيعة والخوارج.
وكان المعتزلة يلقبون بالقدرية، وبشكل مجمل فقد كان القاسم المشترك الأعظم عند تلك الفرق
وغيرها هو القدر، فقالوا إن «لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر، خيره وشره.»
ولقد تعاظم دور هذه الشيع والفرق، حتى إن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال عنهم: «القدرية مجوس هذه
الأمة.»
والقدرية والدهرية والوعيدية والمنايا أفكار مترادفة وردت بكثرة شديدة جدا سواء في
الشعر المنتسب إلى القبائل العربية البائدة أو عند لاحقيهم من العرب الجاهليين ثم الإسلام،
وكذلك ترد بكثرة شديدة في الآلاف المؤلفة، بل الملايين من المواويل والشعر الشفاهي الشعبي
المعروف بالمواويل الحمراء، أي تلك التي تتصل موضوعاتها بأفعال ونكائد الدهر والزمن وتقلبات
الدنيا والأيام وإمساكها بالمصير الإنساني ... إلخ.
ولقد عرفت شعوب غرب آسيا الأبدية التي أطلق عليها العرب الجاهليون مرادف الدهرية، والدهر،