تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقال إن يوسف الصديق تمكن من انتزاع رأس عيسو أو العيص ودفنها في عبرون.

ويرى البعض أن ثمة علاقة بين القبة الحمراء التي كانت تتخذها قبائل قريش وتابعوهم من

القبائل المعروفة بالأحامسة أو الحمس أو الأحامس، أو بنو أحمس؛ بمعنى المتحمسين لآلهتهم

وللكعبة، وتميزوا بتلك القباب الحمر حتى أطلق عليهم أهل القباب الحمر من الآدم.

1

وإذا ما كانت لفظة «الآدم» تعني أديم الأرض، فقد يشير هذا إلى علاقة بين تابوت العهد أو

التابوت الذي به جثمان آدم، بالإضافة إلى رأس العيص بن إسحاق «الرجل الأحمر» أبو الأدوميين،

مما يؤكد أكثر أن تلك القبائل السالفة البائدة قد أورثت لاحقيهم من العرب الجاهليين عبادة

أسلافهم الأول: آدم عند الهاجريين والعبريين، وابنه شيث بن آدم أو أخنوخ أو إدريس عند

الصابئة، وإبراهيم عند الحنفاء، وحفيده العيص بن إسحاق عند الأدوميين أشقاء

العبريين.

بل إن أحداث الصراعات المتوالية حول ما يعرف في أساطير الشرق الأدنى بعصا شعيب أو يثرون

يجعل من تلك العصا رمزا سلفيا مرادفا أو متطابقا مع جثمان آدم ورأس العيص بن إسحاق

وقباب الخمس، فيقال عن تلك العصا: «إنها هدية الرب لآدم عقب طرده من جنة عدن، وإنها توارثت

من أب لابن، إلى أن وصلت إبراهيم، فأورثها ابنه مدين وأمه قطورة بنت مقطور من العرب

العاربة، فأورثها مدين شعيب، الذي أورثها بدوره لموسى عقب زواجه من صفورة ابنة

شعيب.»

وفي رواية أخرى يقال إن يوسف سرقها من شعيب وزرعها في حديقة بيته، إلى أن جاء «الغلام

الجعد» موسى فانتزعها. ويقال إنها كانت من آس الجنة، كما يقال بأنها كانت في طول قامة

موسى، وأنها هي بعينها ما أصبحت بعد ذلك بقرون بمثابة الصليب الذي صلب عليه المسيح.

فيبدو أن الصراع بين جرهم وعدنان كان في صميمه صراعا بين عبدة جثمان آدم وتابعيهم من

الحنفاء الذين حجوا البيت واختتنوا كما أوصاهم إبراهيم (وإذا كان آدم وإبراهيم ما هما إلا

وجهان لنفس البطل السالف)، كما يشير روبرت جريفر،

2

أدركنا طبيعة ذلك الصراع السلفي الأبوي أو البطريركي، لتلك القبائل التي تتبع

الآلهة والتقويم القمريين.

وإذا ما انتقلنا إلى نقطة تالية وهي تبعية القبائل البائدة أو المندثرة من عاد وثمود وطسم

وجديس وعملاق وجرهم للآلهة «الأنثى» القمرية - ذات الأطوار الثلاثة - أو الثالوث الذي أصبح

أهم رقم مقدس فيما بعد عند الساميين بعامة؛ فكان لقبائل عاد أصنام يعبدونها تسمى صداء وبغاء

وصمود:

لنا صنم يقال له صمود

يقابله صداء والبغاء

وتؤكد النصوص الحفرية التي خلفتها هذه القبائل المندثرة ودونت بالخط المسند «أنها لم

تتجاوز في عبادتها آلهة ثلاثة هي القمر والزهرة والشمس».

ويدل هذا الثالوث الفلكي في رأي الباحثين في أساطير العرب الجنوبيين على أن القمر كان هو

الإله الذكر الأب، والابن هو الزهرة، والأم هي الشمس.

ويلاحظ أن هذا التعريف النوعي ما يزال محفوظا في اللغة العربية؛ «فالقمر مذكر بينما

الشمس مؤنثة.»

أما الزهرة فكانت تسمى «عثتر» أي عشترت أو عشتار أو عشار بالمعنى الواسع للإخصاب من أرض

وإنسان وحيوان.

ويفسر الأنثروبولوجيون الأطوار الأربعة التي طرأت على تلك القبائل خلال تحولها من

الأمومية إلى الأبوية؛ ففي أغلب المجتمعات البدائية عبد القمر كأسمى آلهة ثلاثية أطلقوا

عليها اسم «نجم» وعند الساميين «هلال»، ولعبت كاهنة الآلهة نجم دورا في قيادة الهاجريين

والانتقال بهم إلى طور جديد، فأصبحت القاضي والكاهنة والملكة أو الأميرة الأم، وأقيم لها

مزار، كما أنها اتخذت لنفسها حيوانا أو نباتا طوطميا كان يحمى بالتابو أو

«المحرم».

ويلقي هذا بعض الضوء على التكونات أو الاتحادات القبلية العشائرية «القديمة»، وهي تواصل

تكوناتها وتشكيلاتها، بحيث رفعت وعممت الشعيرة - أو الشعار - التي سادت أقوى قبيلة لتصبح

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٣٩