والأزد، ومن الأزد انحدر الغساسنة ملوك الشام - عقب خراب سد مأرب - وكذلك انحدر منهم قبيلتا
الأوس والخزرج ملوك يثرب، ومنهم أيضا انحدرت قبائل خزاعة، سدنة أو كهنة الكعبة قبل
الإسلام.
ومن نسل الأخ الثاني عابر انحدر العبريون، ويقال إنه إنما سمي عابر لأنه كان أول من عبر
الأرض، وهو أبو القبائل العبرية، بمعنى أن لفظ عبري تشمل معنى أوسع وأشمل من لفظ إسرائيل
أو يهودي، فإسرائيلي ترتبط بشكل خاص بيعقوب الذي سمي إسرائيل، ويهودي نسبة إلى ابنه يهوذا،
وهم ما سنتعرض له في حينه.
فالقبائل العبرية الرعوية قبائل صحراوية، وعندما نزلوا فلسطين
17
كانت لغتهم عبارة عن لهجة آرامية، أقرب إلى العربية منها إلى أي لغة سامية
أخرى، كما كانت معتقداتهم الفولكلورية واللاهوتية نتاجا صحراويا مكتمل المعالم.
ويبدو أن عابر كان هو أبو القبائل الرعوية أو البدو الرحل أصحاب الوبر سكان الصحراء؛ إذ
إن عابر أنجب «رعو»، بما قد يشير إلى رعى أو رعاة، ومن رعو جاء تارح الذي أنجب بدوره «إبرام
- إبراهيم - وناحور وهاران، وولد هاران لوطا»، وهكذا تكتمل بداية أصول إبرام أو إبراهيم
الخليل، حين هاجرت من العراق الأعلى منطقة الجزيرة بين دجلة والفرات المعروفة إلى اليوم في
العراق ب «أور الكلدانيين».
وكان اسم امرأة إبرام ساراي، وكانت ساراي عاقرا ليس لها ولد ... وما يهمنا هنا هو هجرة
قبيلتي إبراهيم ولوط ابن أخيه هاران، «فخرجوا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان،
فأتوا إلى هاران، وأقاموا هناك.»
ويؤرخ لهذه الهجرة ابتداء من الألف الثانية قبل الميلاد، حوالي 1920ق.م ...
ويوجد دارسو الميثولوجيا السامية
18
بين «إيل» أعظم آلهة الشعوب السامية، وبين إبراهيم؛ فيحفظ سفر التكوين لإبراهيم
أنه أقام «شرقي بيت إيل، ونصب خيمته، وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق ... فبنى هناك
مذبحا للرب».
19
وفي نفس هذا المكان الذي هو بيت إيل بدأت أسطورة أرض ميعاد الآباء لدى القبائل
الإسرائيلية، حين وعد إبراهيم من الرب - الذي قد يكون إيل: «لنسلك أعطي هذه الأرض.»
20
وتجيء بعد ذلك سلسلة الأحداث المعروفة، مثل تغرب إبراهيم إلى مصر حين «حدث جوع في الأرض»
واغتصاب فرعون مصر، الذي تصر أغلب المصادر العربية على الاحتفاظ باسمه وهو الوليد بن مصعب،
لساره «أخت إبراهيم في الرضاعة وزوجته وابنة عمه»، وغضب الرب على فرعون هذا، فكان أن أكرم
إبراهيم، وأهداه هاجر. ويجيء بعد ذلك حادث انفصال قبيلة لوط عن قبيلة إبراهيم، ونزوله إلى
الأردن؛ «فاختار لوط لنفسه كل دائرة الأردن وارتحل شرقا.»
21
ثم يجيء حادث تخريب مدينتي البحر الميت، سدوم وعمورة، وخروج لوط مع ابنتيه
واحتمائهم في إحدى المغارات.
وهنا تمهد الأسطورة «اللوطية» إلى خروج القبائل الموآبيين والعمونيين إلى الوجود، سكان
الأردن الذين نازعوا القبائل الإسرائيلية بعد ذلك على طول تاريخ الإسرائيليين في فلسطين،
فبعد أن احتمى لوط بالمغارة مع ابنتيه «قالت البكر للصغيرة: أبونا شاخ، وليس في الأرض رجل
ليدخل علينا كعادة أهل الأرض، هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه.» وهكذا تعاقبتا الاضطجاع مع
أبيهما، فولدت البكر ابنا ودعت اسمه موآب وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، وولدت الصغيرة
أيضا ابنا ودعت اسمه بن عمى وهو أبو بني عمون إلى اليوم.
وهي تضمينة أسطورية مهاجرة من أصل مصري، وترد في الميثولوجيا المصرية مرتبطة بآلهة الموت
«ونيك» ومن ألقابها «سيدة القصر»، وجاء مولدها في اليوم الخامس النسيئة.
وتروي أساطير هذه الإلهة نفتيس: «أنها كانت تتمنى أن تنجب طفلا من أخيها الأكبر أوزوريس؛
ولهذا الغرض أسكرته وضاجعته، وكان ثمرة هذا اللقاء الدنس إنجابها للإله أنوبيس.»
ويعتبر هذا الإله المصري أنوبيس بمثابة النبتة الأولى للملاك - الرسول جبريل أو جبرائيل