تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الجبارين «بني إلوهيم» أو العماليق، في تلك الأسطورة التي تكشف عن أصل منشئهم. ويلاحظ

جيدا في هذا التراث الأسطوري السامي أنه ما من شعب أو قوم أو قبيلة أو رهط لم تصاحبه

أسطورته التي دفعت به إلى الوجود وجاءت به إلى العالم ورسمت له أرض ميعاده.

وسنحاول توضيح هذا عند التعرض لكل مجموعة أو حضارة أو شعب بقدر من التبسيط، ونظرا لأن

هذه الحضارات أو المجموعات أو القبائل المتجانسة هي ما ستطالعنا بشكل متوال يفضي بنا إلى

متاهات علوم الأنساب، أو الكوزمولوجي.

فيرجع سفر التكوين الأسطورة المصاحبة لمولد ووجود هؤلاء الجبابرة إلى أن اتصالا كان قد

تم بين الملائكة وبنات الناس «حين دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا، وهؤلاء

هم الجبارون الذين منذ الدهر ذوو اسم.» وتذكر أغلب المصادر السامية أن هذا الاتصال وقع على

جبل «حرمون» أو جبل الشيخ بلبنان وتحت ظلال أشجار أرز لبنان، شجر عشتروت إلهة الإخصاب

الجنسي، «وهناك ولد الجبارون المذكورون الذين كانوا في البدء الطوال القامات الحاذقين

بالقتال.»

وعلى هذا فرقت الأقوام السامية بينها وبين أولئك الجبابرة، بل إنهم حاربوهم واعتبروهم

خارج النسل السامي.

واللافت أن أحد مصادر الميثولوجيا العربية وهو عبيد بن شريه الجرهمي ينسب عادا

12

إلى شجرة النسب السامي، فهو كما يقول «عاد بن عوص بن سام بن نوح، وهو الذي أحدث

له عشرة أولاد هم: شداد، وكان أول ملوكهم الذي بنى مدينة إرم ذات العماد، والخلود وهم: رهط

النبي هود، وتيم بن عاد، وبهار، والعنود، والحقود، والوصور»، ثم تجيء بعد ذلك الأسطورة

النوحية، نسبة إلى النبي نوح، الذي «وجد نعمة في عيني الرب، فأقام معه عهدا في نسله، فأنجب

نوح أولاده الثلاثة حام وسام ويافث»، ثم حلول الطوفان كعقاب، وإنقاذ نوح للجنس البشري حين

صنع فلكه وحمل معه من كل جنس أو مخلوق «سبعة سبعة ذكرا وأنثى»،

13

وما أعقب الطوفان من انتقال حضاري، منها بداية التعريف بالمحارم: «غير أن لحما

بحياته دمه لا تأكلوه، وأطلب أنا دمكم لأنفسكم»،

14

وإقامة الله الميثاق مع بني نوح: «وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني

وبينكم»، ثم تجيء بعد ذلك أول أفكار القبيلة أو الرهط الملعون، متمثلة في خطيئة حام، حين

سخر من عري أبيه نوح والتي بسببها أصبح وجه الحاميين - ذوي البشرة السوداء - أسود في

المصادر العربية، ولعن بسببها كنعان بن نوح في الأساطير العبرية: «ملعون كنعان عبد العبيد

يكون لإخوته.»

15

وكان أن انحدر من حام بن نوح «كوشن» - أبو الكوشيين في النوبة والسودان - ومصرايم وفوط

وكنعان و«كوش» - أبو الصيادين في البر والبحر - ولد نمرود، الذي ابتدأ أن يكون جبارا في

الأرض، «أما ابنه كنعان - ابن اللعنة»

16

فولد صيدون - مؤسس مدينة صيدا - في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، وبكره

حثا - أبو الحثيين - واليبوسي والأموري والجرجاشي، «وكانت تخوم الكنعاني من صيدون حينما

تجيء نحو جرار إلى غزة وحينما تجيء سدوم وعمورة وآدمة - آدم - وصبوييم إلى هالاشع.»

ومن نسل سام جاء عيلام - أبو العيلاميين - وآشور ولد آرام - أبو الآراميين - وشالح وعابر،

«ولعابر ولد ابنان اسم الواحد فالح؛ لأن في أيامه قسمت الأرض، واسم أخيه يقطان.»

ويقطان هو قحطان - أبو القحطانيين - ومنه جاء العرب القحطانيون الجنوبيون سكان اليمن، كما

أنه أبو العرب العاربة. وابنه يعرب بن قحطان «أول من تكلم العربية»، ومن نسله جاء ملوك سبأ،

وكان أولهم الملك عبد شمس بن سبأ، الذي سمي سبأ لأنه كان يسبي أعداءه، وبحسب ما يشير به

نسابة العرب، فإن من نسل سبأ انحدر ملوك حمير، وكهلان.

فمن حمير ملوك بني قضاعة، وبنو كلب بن وبرة - وهم الكلبيون - ومن كهلان انحدرت سبعة بطون،

تضخموا إلى قبائل وحضارات كبيرة فيما بعد، وهم: طيء، ومذحج، وهمدان، وكندة، ومراد، وأنمار،

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٣٢