اليمن والجنوب العربي - حضارات لاحقيهم من القبائل العربية المندثرة التي ترجع إلى ما قبل
الألف الثالثة قبل الميلاد، وهم قبائل عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق، وغيرهم.
وقد لعبت الحضارة الكنعانية، وطليعتها البحرية فينيقيا - نظرا لاقتحامها المبكر للبحرين
الأبيض والأحمر - دور الوسيط في حمل تراثي مصر وبابل، والإبحار به ونشره على طول سواحل
البحر المتوسط.
لذا يرى البعض أن كلا التراثين العقائديين العبري اليهودي والفارسي المجوسي، بالإضافة إلى
التراثين الهليني والمسيحي؛ جاء جميعه تحت التأثير المباشر الكنعاني، السوري أو الآشوري
فيما بعد.
فيبدو أن خليطا عريضا من أجناس وأقوام شعوب البحر المتوسط قد استوطنوا المدن السورية
على مدى تاريخها، مما ساعد على إثراء التراث السوري الكنعاني.
ويذكر جوستاف لوبون
1
أن سكان مدن سورية وقراها «مزيج من المصريين الفينيقيين واليهود والبابليين
والفرس والأفارقة والرومان والعرب والمغول والشركس والصليبيين والترك، وغيرهم من الأمم التي
استولت بالتتابع على سورية».
ويرى توينبي
2
بالنسبة لليهود أن شعب مملكتي «إسرائيل ويهوذا قد رفع نفسه مكانا ساميا، إبان
فترة من تاريخه الذي بدأ في طفولة الحضارة السومرية وبلغ الأوج في عصر الأنبياء».
ويرجع السبب في تركيزي على الحضارات أو المنابع الأم أو حضارات الجيل الأول في دلتا
العراق، حيث الحضارة السومرية الأكادية، وفي دلتا وادي النيل حيث الحضارة المصرية
الفرعونية؛ إلى محاولة تعرف النبتة الأولى لكل موتيف أسطوري أو فولكلوري وإمكانية تتبعه؛
وذلك نظرا لتعدد المصادر وتنوعها بالنسبة للفكرة أو الموتيف الواحد، مما قد يوقع الباحث في
الخطأ وفقدان الطريق، وإعادة هدم ما أوشك في بدئه، وهو ما أصبح تقليدا ساريا بالنسبة
لدارس تراث قلب العالم القديم.
فما من إضافة كشفية أثرية أركيولوجية أو نصية، أو شفاهية، لم تسهم في إعادة تكامل جزئيات
هذا التراث الهائل، مما يترتب عليه دوام الهدم المستهدف - أصلا - لتوالي البناء
واستقامته.
فيمكن اعتبار الدراسات الفولكلورية - محتوية أو متضمنة الأساطير - أحد المراكبات الهامة
اليوم، في إعادة بناء تاريخ الجسد الحضارة، لأي شعب أو مجموعة من الشعوب.
مثل هذه الدراسات قد قطعت شوطا كبيرا، خاصة فيما يتصل بالتصنيف؛ أي تجميع وتراكم عينات
الفكرة أو المقولة الواحدة، ثم بعد ذلك إعادة تعرف تاريخ حياة كل فكرة على حدة، والأخذ
بمبدأ أن أي فكرة أو مقولة أو شعيرة تصبح بلا قيمة ما لم يتحدد أصلها وفصلها، وما طرأ عليها
من تغيرات وإضافات من عصر لعصر.
وبمعنى آخر فإن فكرة خلق حواء من ضلع الرجل - مثلا - ترد منحدرة من التراث السومري
اللاسامي، متبدية في التراث السامي عند الورثة البابليين والحثيين، منتقلة إلى الكنعانيين
الفينيقيين، متبدية في أسطورة الإله «موت»!
فكان أن نقلها العبريون إلى أسطورة الخلق أو سفر التكوين، وكذلك طوف بها الكنعانيون
وطليعتهم البحارة الفينيقيون إلى الحضارة الإيجية، ومنها دخلت هذه الجزئية إلى التراث
الهليني اليوناني، ثم الروماني فيما بعد، ثم اللاتيني في العهد المتأخر.
وبشكل مجمل يمكن القول بأن أسفار التكوين الأحد عشر الأولى، تنتمي بكاملها إلى
الميثولوجيا الكنعانية المتوارثة مباشرة من الحثيين والبابليين.
ومن هذه الأفكار خلق العالم، وتوحد الخالق بالماء، وإقدامه على خلق العالم عن طريق رسله
الثلاثة، ثم فكرة خلق الإنسان الأول «يوم خلق الله الإنسان، على شبه الله عمله»،
3
وهو ما تتميز به أساطير الخلق السامية، على تراث العالم أجمع، ومنها خلق المرأة
من ضلع الرجل، وتوحدها بالحية التي توحدت بدورها بالشيطان، ثم الخطيئة الأولى، وكذلك تمشي
الإله في الجنة عند هبوب الريح