عنصرية فاشية متفوقة «من الأولياء» كما يدعون، وهي مرحلة حتمت عليهم تلقي مجرى أحداث
العالم الخارجي من حولهم، من خلالهم هم بالذات.
إلا أن ما يجدر تأكيده هو أن التراث العبري ملك مشاع مشترك لكافة شعوب الشرق الأدنى؛
نظرا لكونه وثيقة مدونة مبكرة لها أهميتها في التعريف بماضي هذه الأقوام مجتمعة، تضاف إلى
بقية الوثائق، من حفرية أو تاريخية ونصية وشفاهية، في إلقاء المزيد من الضوء على ذلك
الماضي؛ بهدف إعادة إنارة وجلاء مستقبله. فما أحوجنا اليوم إلى المعرفة شبه العلمية لماضينا
ومكوناتنا الأولى، بالقدر الذي يسهم في إيضاح طريق المستقبل!
لذا فمن الصعب بل المستحيل أن يتكامل تاريخ حضاري شامل متكامل لشرقنا القديم بمعزل عن
المدونات العبرية، من مقدسة وغير مقدسة ومحظورة أو ممنوعة وهكذا. من ذلك التوراة أو العهد
القديم والتوراة الشفاهية؛ أي التلمودان البابلي العراقي والأورشليمي الفلسطيني، والتلمودان
الحجازي، والأسفار المحظورة «الأبوكريفا».
وليس هذا برأي جديد؛ إذ إن كثيرا ما ترفض حركة الأساطير والفولكور العالمية اعتبار
التراث اليهودي العبري بعامة تراثا متميزا مكتمل الشخصية، على اعتبار أنه «في مجمله ينتمي
لتراث البلدان المتاخمة»؛ أي إن هناك شرعية في ملكيتنا أيضا لهذا التراث البالغ الأهمية
الذي ينتمي في مجمله لتراث البلدان المجاورة، في فلسطين والشام، ومصر والعراق
واليمن.
وكما يقول كامل زهيري، فإن اليهود قوم تكمن مأساتهم في أنهم يمتلكون تاريخا دون جغرافيا،
بمعنى وطن، أو قطعة أرض، فهم كجنس تراجيدي غريب، واصل طوافه المتصل الدائم، من مجتمع إلى
آخر ومن قارة لأخرى، على طول تاريخهم - سواء القديم أو الحديث - مما أكسبهم لفولكلور
ومعتقدات وثقافات تلك الشعوب التي عاشروها واتصلوا بها، منذ خروج القبائل الرعوية العبرية
من أور الكلدانيين في دلتا العراق مع انتهاء الألف الثالثة قبل الميلاد، ونزولهم أول أمرهم
جيرانا في بادية الشام، ثم دخولهم أو مجيئهم إلى مصر، ثم نزولهم إلى فلسطين أو أرض كنعان،
واتصالاتهم وتعاملهم مع الكنعانيين والأموريين، وامتصاصهم الدائم لتراث هذه الأقوام
وغيرها.
وتجيء بعد ذلك عصور اتصالاتهم بالبابليين والآشوريين والفرس منذ الألف الأولى قبل
الميلاد، فمن بابل وآشور أخذوا أغلب معتقداتهم عن السحر والحيوانات الخرافية السحرية التي
تتبدى بكثرة شديدة في رؤى دانيال ومراثي أرميا وحزقيال.
ومن الفرس جاءتهم كل تصوراتهم ومعتقداتهم عن الملائكة والشياطين والجن، بمعالمها وأسمائها
الفارسية المجوسية، إلى جانب الثنائية الفارسية عن الخير والشر، أو الموجب والسالب، والتي
تمير بها هذا التراث الآري المجوسي وسط حضارات العالم القديم عامة والتراث السامي بشكل
أخص.
ولقد جاءت الكشوف السومرية اللاسامية في العراق، فأوضحت الكثير من الغموض بالنسبة للتراث
السامي بشكل عام، والتراث العبري بشكل أخص؛ فلقد أوضحت هذه الكشوف السومرية - الألف الرابعة
قبل الميلاد - عن حقيقة «أصل التوراة ذاتها ومنشئها، وأن هذه المجموعة من المآثر العظيمة لم
تجئ إلى الوجود كالأزهار الصناعية وهي كاملة النمو، بمعنى أنها تنتشر انتشارا واسع المدى
في تراث الأقوام المجاورة».
وليس الغريب أن تراث العبريين هو على وجه التقريب تراث وحضارة أولئك السومريين اللاساميين
وصل اليهود عن طريق الوساطة الكنعانية، مثلهم في هذا مثل بقية الأقوام والجماعات السامية،
وذلك عقب انتقال ذلك التراث السومري إلى الورثة المباشرين، وهم الكلدانيون والبابليون
والآشوريون والحثيون والكنعانيون.
وعن الكنعانيين الذين سبقوا العبريين في استيطان فلسطين، وبعض مدن الساحل الفينيقي، سرى
إلى الوجود تراث تلك الحضارة اللاسامية المندثرة مثلما توارث العرب - خاصة القحطانيين سكان