تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع عدم إغفال التأويلات السيكولوجية، والنزعة الوظيفية التي ترى في كل موتيف فولكلوري سواء

أكان مثلا أو ممارسة أو كلمة أو عملا أو شعيرة - يخضع لنظام التابو - داخل أي مجتمع

وجماعة، وله في النهاية دوره وهدفه الوظيفي لخدمة أغراض طبقية مباشرة ومحددة.

ولعلني حاولت جاهدا الاستفادة من نتائج هذه المناهج سواء التاريخية الجغرافية أو

الأنثروبولوجية أو الشمسية أو الوظيفية، أو التطورية، والديموقراطية؛ لدراسة فولكلور

بلداننا - التي تتكلم العربية - عن طريق التعرض لمكوناته الرئيسية أو أنساقه أو منطلقاته؛

من لغة، وقرابة، وتابو، وذاكرة جمعية، وأنيمزم - روحانيات - على اعتبار أن مثل هذه البناءات

أو الأنساق تلزم باحث الفولكلور، وإن كان أول من نبه إليها - بحق - هو الباحث الاجتماعي

أو الأنثروبولوجي.

ولقد اعتادت الدراسات الأنثروبولوجية النظر للفولكلور لا باعتباره علما مستقلا، بل على

أنه مجرد فنون كلامية أو فنون قول أو آداب شفوية أو الحكايات والأساطير الشعبية.

بل وصل الأمر ببعض دراسي الثقافة والنظم الاجتماعية والأنثروبولوجيين عامة إلى حد

المغالاة بطرد «مصطلح» فولكلور وإخراجه من مجال العلوم الاجتماعية.

وظل هذا هو الحال السائد منذ أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر، في ربط عجلة الدراسات

الفولكلورية والأسطورية بالدراسات والاجتهادات الأدبية أو الفلسفية.

وهو موقف أميل إلى الخطأ؛ ذلك أن المغالطة تتوقف عند مجرد استبدال تسمية فولكلور،

بالأنثرجرافيا كمصطلح جديد شائع داخل العلوم الاجتماعية، فإذا ما كانت الأنثوجرافيا هي

دراسة الحضارة بعامة، أي كافة نواحي السلوك الإنساني؛ من لغة ومعتقدات ودين وفلسفة وشعائر

وممارسات وفنون، بالإضافة إلى ما يعتري كل هذا من تحولات.

فهذا بذاته هو حقل الفولكلور والأساطير، بل إن هذا بذاته هو مفهوم تيلور في مؤلفه الهام

عن الثقافة البدائية، وغوصه في حقول الخرافات والحكايات وخوارق الجان والمأثورات الشعبية،

فرغم التوسع في استخدامه لمجالات الفولكلور إلا أنه لم يستخدم مصطلح فولكلور. ونفس الشيء

يمكن ملاحظته بالنسبة لموسوعة فريزر «الغصن الذهبي» وموسوعة روبرتسون سميث عن «الأديان

السامية»، وغيره وغيره من كلاسيكيات العلوم الاجتماعية أو الأنثروبولوجيا.

هذا برغم ما أبداه الفولكلور - كعلم - لحقل الدراسات الاجتماعية، ولعله من المفيد تصور

مدى إسهام الفولكلور في إرساء وتقدم علم الاجتماع، منذ أن أرسى قوائمه دوركايم، وما تفرع

منه مثل علمي الأنثروبولوجيا والأفثولوجيا، وهما العلمان اللذان يوليان اهتمامهما الرئيسي

لدراسة علم الإنسان الثقافي، مشتملا على كافة نواحي السلوك الإنساني، على اعتبار أن

المجتمعات قد عاشت وواصلت استمرارها ونموها في ظل مختلف البيئات التاريخية، ومرت بمختلف

التحولات، إلا أنها لم تتخل كلية عن خصائصها الأولى، ولنقل طواطمها وتابواتها، التي

تعرضنا لها بالدارسة، وكما أجمع علماء العصر الفيكتوري منذ ماكلينان، وروبرت سميث، وفريزر؛

أنها - أي الطوطمية - ما تزال تحيا وترتع - كرموز ذهنية بدائية - تحت مختلف الأشكال

المتكاثرة لحياتنا الحديثة، فأنت تجدها اليوم في أعلام وشارات الدولة الحديثة يستشهد في

سبيلها، كما تجدها تطل برأسها في شارات المحافظات، والمطبوعات، والأضرحة، والملابس

والماركات والمطبخ الحديث ... إلخ.

ولقد أغفلت التعرض بالدراسة لعلاقة الطوطمية بالفولكلور؛ بهدف إعادة التعرض لهذا الموضوع

على حدة، خاصة وأن المناهج البنائية قد حققت بدراستها للطوطمية نتائج رياضية ملفتة،

وبالتحديد ما توصل إليه العالم البنائي الفرنسي كلود ليفي شتراوس، الذي انصبت دراسته على

علاقة الطوطمية بالظواهر، أو علم الظواهر. ففي رأيه أن الطوطمية كظاهرة حضارية، تجيء

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٣