ثم اخترعت مجموعة - محددة - من المداخل أو الأنساق أو المنطلقات، كمقدمة لدراسة الفولكلور
- متضمنا الأساطير العربية - كأساسيات عامة لا غناء عنها لأي باحث في هذا الحقل، بل هي قد
تكون ألزم للباحث الاجتماعي في علم وتاريخ الإنسان الثقافي - الأنثروبولجيا - بنفس درجة
لزومها لجامع وباحث الفولكلور.
فلا خلاف على أن الذاكرة الشعبية الجماعية هي ما حفظت لنا هذا التراث المتواتر منذ طفولة
البشرية الأولى، وهو الفولكلور، وللذاكرة الشعبية - تحت تأثير العادة والتوراث - حضورها
وإعجازها لمن خبر التعامل معها، ذلك أنها مخزون متواتر الحلقات، تحفظ أدق دقائق شعائر
وممارسات الولادة والموت الأولى أيامنا، بنفس درجة حفظها بما يصاحب التنفس والتثاؤب، وكل ما
يتصل وصاحب الانتقال من النيئ والمطبوخ بالنسبة لمطبخ البخار العصري، كذلك فهي ذاتها
الذاكرة الشعبية أو الشفهية التي أسهمت في الكشف عن الكثير من تراث البشرية التاريخي أو
الحفري الأركبولوجي، وما من مكتشف أثري - مثلا - لم يستهد ويستفد من مخزون الحكايات
الشعبية والحواديت وفابيولات الكنوز - المقابر - المدفونة ، وعالم ما تحت الأرض، منذ د. فلاندرز بيتري الذي دأب على تأكيد أن هذه الخرافات التي كان يجمعها ويستمع إليها من فلاحي
الفيوم والدلتا قادته إلى اكتشاف «كنوزه» من الآلاف المؤلفة من البرديات الأدبية
والفولكلورية والتاريخية التي ينظر إليها اليوم بكل تقدير، والشيء نفسه أشار إليه ماريت،
وماسبيرو، وكارتر مكتشف عصر توت عنخ آمون، وغيرهم من الرواد الأثريين الذين عملوا في حفائر
ومكتشفات العالم العربي، خاصة بسوريا والعراق، أمثال: كلوديوس ريش، وسير هنري لايارد،
اللذين استفادا حتى من «ألف ليلة وليلة»، والنصوص الشفهية لفلاحي العراق ل «ألف ليلة وليلة»
في مناطق أو مديريات الموصل، وجلجاميش، ونمرود، وبقية رحاب العراق.
كما أنه لا خلاف على أن اللغة هي حاملة التراث من فولكوري وثقافي؛ لذا وجب مراعاة جامع
الفولكلور لدقائق اللهجات وطرق النطق والصوتيات، بالإضافة إلى علوم صناعتها.
كذلك ففي انقسام حياة أي شعب من الشعوب إلى مباح ومحظور، أو حلال وحرام، وهو ما تعارف
عليه بالتابو؛ ما يدعو إلى تناوله بالدراسة، وهكذا بالنسبة لبقية الأنساق أو الأبنية
المختارة موضوع هذا الكتاب مثل خصائص فولكلور القبيلة والحرب، وصراع الطعام والإدام والكلأ،
سواء في الصحراء الليبية أو الأدومية بالأردن، أو في أغوار الجزيرة العربية
المترامية. •••
وقد يبدو للوهلة الأولى أنني إنما أهرب من حقل الدراسات الفولكلورية والأسطورية لحقل
التاريخ الثقافي - الأنثروبولوجي - أو الأثنوغرافي بعامة، وبين المنهج التاريخي وحقل
الدراسات التاريخية بعامة.
والنظر للفولكلور باعتباره «ماض حي»، أو النظر إليه باعتباره ثقافة منحدرة، أو مجرد
بقايا قديمة ومخلفات، تواصل توالدها الذاتي وفرض سلطانها تحت تأثير العادة والتوارث وغياب
العقل في مجتمعات ما قبل العقل والعلم.
وهذا كما هو واضح يستلزم الاتجاه نحو علم الاجتماع، وبالتحديد نحو علم الاجتماع البنائي،
وما يستتبعه هذا من تحليل بنائي، أي فهم الظاهرات والعلاقات الاجتماعية عن طريق الاستعانة
بالنماذج الفولكلورية، سواء تلك التي توصلت إلى جمعها من أفواه الناس، وحافظت - قدر جهدي -
على فونيماتها ولهجاتها وأساليب نطقها، ثم يلي هذا - بقدر الإمكان - محاولتي للتعرف على
النبتة الأولى - الشفافية - على ضوء المدونة، وعلى ضوء مضاهاة هذه المواد من شفاهية ومدونة،
لما أمكن التوصل إليه حفريا أو أركيولوجيا.
وهو على أية حال نوع من «الدراسة الشاملة لحالة واحدة»، وهو ما يفسر لنا وجود العلاقة
الحميمة بين حاجة وتكاتف البناء الاجتماعي وعلم ما قبل التاريخ والآثار ونظريات الانتشارية