ويقال إن هذا التقليد كان منتشرا بكثرة في أيام الحروب الصليبية، كما يقال بأن باني
دمشق هو «اليعازر» خادم النبي إبراهيم، في نفس الحقل الذي قتل فيه قابيل أخاه هابيل.
أما دمشق فهي أرض «آدم» التي منها جاءت تسمية آدم، بمعنى أديم الأرض أو القدم، ويبدو أن
تسمية أدوم كانت تشمل جزءا من الأردن، وهي الأرض التي نزلها عيسو أو العيص بن إسحاق.
24
فيبدو أن أدوم كانت تشمل أيضا جزءا من الأردن، ويؤكد هذا الكشوف الحفرية التي توصلت
إليها البعثة التي أعلنت بعض نتائج اكتشافاتها في يوليو 1974.
وينتشر بين سكان جبل قاسيون شمال دمشق اعتقاد بأن جريمة «القتل الأولى وقعت في أعلى قمم
الجبل»، وينسب القزويني لإحدى صخور دمشق الكبيرة أنها كانت المكان الذي قدما عليه
قربانهما «حين تقبل من صاحب الزرع، ولم يتقبل من صاحب الرعي»، وهناك حجر عليه مثل آثار
الدم، اعتقد الدمشقيون القدماء في أنه الحجر الذي هشم عليه الأخ أخاه؛ لذا سميت المغارة
المجاورة لهذا الحجر «مغارة الدم».
وبينما يرى المسلمون الجريمة وقعت داخل «أغوار»
25
صحراء شديدة الجدب، ومنذ ذلك اليوم لم يقرب الندى جدب هذه الصحراء؛ يرى اليهود
أن الجريمة وقعت في إحدى قرى جبل قاسيون، وهي قرية بسيمة.
ولقد وحد الأقدمون بين قابيل والشيطان «أشمودي» الذي ينسب له تشييد مدينة بعلبك، التي
اعتبروها أول مدينة في العالم؛ إذ إن قابيل بن آدم عندما اعتراه الارتعاش أمر ببنائها،
ولقبها باسم ابنه أخنوخ - النبي إدريس - وأسكن فيها الجبابرة والمهترجية. ولكثرة فواحشهم
أرسل الله عليهم طوفان الماء «أو طوفان نوح».
ويسمى وادي البقاع بسوريا بسهل نوح، وبه قبر نوح بالقرب من زحلة، وإن ملكا هو الملك
الظاهر - عام 1258م - أعاد بناء القبر فجعله «واحدا وثلاثين مترا».
وبالنسبة لإبراهيم، فإن في مدينة القدس صخرة يقال إن «عليها آثار سبع أقدام».
26
وسمعت أن إبراهيم كان هناك، وكان إسماعيل طفلا فمشى عليها، وهذه هي آثار
أقدامه، «ويرى البعض أن قبر نمرود الجبار، الذي حاربه إبراهيم، موجود بجبل لبنان»، إلا أن
هناك من يقول إن في قرية «أرواد» أربعة قبور لأربعة من أبناء كنعان.
ويعتقد سكان قرية كفر ناحور بلبنان أن قبر كنعان موجود على إحدى الصخور الموجودة هناك،
كما يقال إن النمرود بن كنعان هو باني قلعة بعلبك، وفي بعلبك بقايا آثار قصر سليمان، ودير
إلياس، وجبل سعيد الذي على قمته أقدم إبراهيم على ذبح ابنه وبكره إسماعيل.
وفي مدينة عكا توجد قبور «عك» باني المدينة، وعيش، وشمعون، وذي الكفل، وهود، وعزيز،
وشعيب، وابنته زوجة النبي موسى، وفي قرية إربل أربعة قبور لأربعة من أبناء يعقوب، وكذلك غار
وجد به قبر أم موسى، ويشوع بن نون، بالإضافة إلى سبعين نبيا.
أما في جنوب بحيرة طبريا فيوجد بحر لوط، ويقال إن مدينة لوط
27
كانت تقع على شاطئه.
موجز القول أن الأقوام السامية قد خلفت أساطيرها ومعتقداتها الخرافية في عصور الظلمات أو
عصور ما قبل العالم على آثارها ومنشآتها ومعالمها الطبيعية بشكل غاية في الإفراط.
الفصل الرابع
| تدوين التراث
لم ولن تكون الميثولوجيا العبرية والتراث اليهودي حكرا ووقفا على اليهود؛ ذلك أنها
الجانب التسجيلي المبكر لمجرى الأحداث المبكرة لتاريخ الشرق الأدنى القديم، بهجراته
ومنازعاته ولاهوته ومعتقداته ونكباته، وأدق خصائص كل رهط وقبيلة ومدينة دولة وشعب، لأقوام
الشعوب السامية أو غير السامية التي تنازعت الوجود على أرض هذا الجزء من العالم، وهو شرقنا
الأدنى الموغل في القدم والعراقة والتجدد الدائم.
ودور اليهود في هذا التراث لا يعدو أنهم كانوا مدونيه المبكرين وحفظته من الضياع،
ومن خلال دورهم فيه، مع عدم تناسي موقفهم الحلقي القبلي المغلق، الذي أبرز دورهم كقبائل