تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانوا يزينونها سنويا بأزياء نسائية

15

ملونة، كما يقول جريفز.

ودخلت النخلة الميثولوجي الإغريقي، فكل من الآلهة أبولو، ونبتون، وذيلين، ولدوا تحت

نخلة، وكذلك المسيح في الميثولوجي السامي.

وتضيف أساطير بعلبك، ذات الأصول أو المنابع المصرية، أن طائرا يسمى فينيق أو النخيل كان

يحج إلى هليوبوليس، أو بعلبك، فيموت بها ثم يعاود الحياة من جديد ... فيقال إن فينيق هذا هو

بعينه الطائر المصري الخرافي «بينو»، وهو طائر خرافي لم يتشكك الأقدمون في الإيمان به،

فعبدوه في هليوبوليس كروح لأوزوريس، كما ربطت عبادته بعبادة رع، وعد في أغلب الأحيان

صورة ثانية له، ووحده الفينيقيون بطائرهم فنيقس، الذي وصفه هردوت بأنه كان يشبه العنقاء،

وقال بأنه يظهر في مصر مرة واحدة كل خمسمائة عام، وما أن يولد «فينقس» في أعماق الصحراء أو

الجزيرة العربية حتى يطير رأسا حاملا جثمان أبيه، ليحط على مذبح معبد هليوبوليس، وهناك

تحرقه أعشاب المر، ويتم هذا في احتفالات ضخمة هائلة تحشد لدفنه، وتتم في جو جنائزي كبير،

ويعد موت هذا الطائر فينقس أو بينو أهم حادث لاهوتي في كل مصر.

وفي إحدى الحكايات التي أوردها القديس هيرونيم عن هذا الطائر، الذي لقبه الفينيقيون

باسمهم فينيق: «أن هذا الطائر يعيش في الهند لمدة خمسين عاما، ثم يجيء إلى فينيقيا ليجمع

طيوب لبنان، ويصنع منها أعشاب، فيغطي كاهن معبد هليوبوليس هيكل الأسرار، الذي يلقي عليه

فينيق بطيوبه الممزوجة بالعنبر، لكن، ومع شروق الشمس يخفق فينيق بجناحيه، فيلتهب العنبر

بواسطة أشعة الشمس، وتشتعل الطيوب فتحرق فينيق، لكنهم في اليوم التالي يرون دودة متولدة من

رماده، وفي اليوم الذي يليه ينبت للدودة أجنحة، وفي اليوم الثالث يطير «فينيق» عائدا إلى

وطنه.»

وفي الأساطير العبرية: «أن فينيق طائر يعيش ألف سنة، وبعد انتهائها ينبعث في عشه لهيب

فيحرقه، لكن تبقى فيه بيضة يعاود منها فينيق الحياة، وإن هذه القيامة أعطيت لفينيق من

عند الله؛ لأنه كان الطائر الوحيد الذي استنكر أكل حواء من الثمرة المحرمة.»

وواضح أنها هي بعينها فكرة تقديس الجعران في اللاهوت المصري القديم؛ من حيث المغزى

المتمثل في الموت ومعاودة القيامة.

وبحسب تفسير د. مرغريت مري، فإن الجانب الصلد الذي كان يتبقى من الجعران الميت يصبح بعد

ذلك وعاء يبيض فيه جعران جديد، أي إن من الموت تنبت الحياة.

ولقد لعبت هذه الشعيرة الفينيقية ذات الأصل المصري أهم أدوارها بعد ذلك فيما يتصل

بمعتقدات الموت والفناء، ثم معاودة الحياة، أو الولادة، أو القيامة؛ فلقد امتدت مناقشات

لاهوتية لا حصر لها حول هذه الفكرة الزراعية عن الموت والقيامة، وموجزها البذرة التي تفسد

لتنبت وتزهر، واتسعت هذه المناقشات والمجادلات في القرون السابقة على ظهور المسيحية بل

وعقبها، واشترك فيها من المؤرخين والمفكرين - فيما قبل المسيحية - بليني وسولون الأبدري

وفيلسترات، ومن اللاهوتيين المسيحيين إقليم الإسكندري، وأوريجان، وأوساب، والقديس غريغور

النزنزيري، والقديس كيرلس الأورشليمي، والقديس هيرونيم، والكثيرون غيرهم.

ويبدو أن احتفالات موت فينيق وقيامته الهائلة كانت تقام بمدينة بعلبك، لمشاهدة شعائر موت

واحتراق ذلك الطائر فينيق، ثم قيامته المظفرة «حيث كان يرتقي الأعشاب العطرية ارتقاءه عرش

الخلود، فتحرقه أشعة الشمس على مرأى من الملوك والعظماء، والكبراء والكهنة والأحبار، وعدد

لا يحصى من الشعوب المتقاطرة، لمشاهدته من جميع جهات آسيا، ولا يلبث قليلا حتى يحيا ثانية

من بين رماده، ويطير مجددا شبابه السماوي الخالد».

كما يبدو أن ثمة علاقة غريبة، لم يتنبه إليها أحد بالدرجة الكافية، وهي العلاقة بين الاسم

فينيق أبو الفينيقيين، وبين نباته أو شعاره المقدس أو طوطمه، الذي هو النخلة، وكذلك بين

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٢٥