تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معتقدات الموت والفناء، ثم معاودة البعث والقيامة التي كان يمثل أطوارها ذلك الطائر المقدس

المسمى فينيق.

والذي أود أن أتلمسه وأشير إليه هو من ثمر النخلة أو بلحها كان سكان الشرق الأدنى القديم

يصنعون خمرهم المعروف بالجعة أو العرقي، وكانوا يشربون ويسكرون، قرى بأسرها تشرب وتسكر

وتنام كلما خيم الليل «ولك مخافة الانزلاق والتفكير في معميات الحياة والموت

والفناء».

وهي واحدة من لمسات أبو التاريخ هردوت وتفسيراته التي دونها في كتبه التسعة خلال طوافه

بشعوب شرقنا الأدنى القديم الغابر.

وفي ملاحظة أخرى تتصل بعلاقة - عرقي - البلح بالموت، يضيف هردوت: «أن المصريين كانوا

يخرجون أحشاء الميت كلها، فينظفونها ويغسلونها بنبيذ التمر.»

16

ولقد تداخلت الممالك أو المدن الدول الكنعانية الفينيقية مع ما يتاخمها ويجاورها من شعوب

وقبائل سامية، أي الآرامية المنحدرة من نسل آرام أكبر أبناء سام، في ممالك ... آرام دمشق

«التي يقال إن مؤسسها هو عوص بكر آدم، وممالك صوبه وحماه وحمص ورحوب في سهل البقاع، وكذلك

جشور، ويطور، نسبة إلى يطور بن إسماعيل بن إبراهيم من هاجر».

فالكنعانيون: «ملعونو العهد القديم، جابوا البحار ونشروا تجارتهم الواسعة، على عكس ما

فعله الآراميون سكان الجبال الذين خافوا ركوب البحر واقتحامه وعدوه محرما أو تابوا،

كالمصريين القدماء.»

ولقد واصل اليونان والرومان بعد ذلك اتهام هؤلاء الكنعانيين بالخسة والوضاعة، مثلما فعل

جيرانهم الساميون من العرب واليهود، فقال عنهم شيشرون: «إنهم ولدوا للعبودية»، وكذلك نظر

إليه سقراط. وكان من بين أمثلتهم: «سوري ضد فينيقي» بمعنى: خبيث ضد خبيث.

والواقع أن الامبراطوريتين الإغريقية والرومانية استفادتا أشد الاستفادة من تمزق هذه

الشعوب القبلية العرقية المتنافرة في الشام وفلسطين؛ من فينيقيين وآراميين وسريان وعبرانيين

وأنباط وعرب.

إلا أن الشيء الهام الذي خلفه النسل أو الرهط - اللعين بحسب اعتقاد القدماء - هو اللغة

الكنعانية، التي منها جاءت العبرية القديمة لغة الكتاب المقدس، والتي لم تكن الأبجدية

الفينيقية سوى إحدى أفرعها، والأبجدية الفينيقية «هي ما أصبحت اللغة اليونانية، التي كتب

بها اليونانيون منذ القرن الثامن ق.م. كما يقول توينبي».

ولقد حفظت هذه اللغة الكنعانية العريقية بعد الفتح العربي «في لغة الطقوس الدينية

المسيحية عند الموارنة والسريان في لبنان».

17

ولقد خلفت هذه الشعوب السامية أسماء أسلافها، وأسماؤها على كل مكان وطئته.

وبحسب قول عبيد بن شريه الجرهمي، فإن قارة أفريقيا سميت هكذا نسبة إلى الملك الحميري

«أفريقيس بن أبرهة، الذي يقال إنه عندما غزا المغرب - شمال أفريقيا - متجها إليه من أرض

البربر، فرأى بلادا كثيرة الخير، قليلة الأهل، فنقل البربر من بلادهم فلسطين إلى مصر، فلما

بلغ أفريقيس حيث بلغ من فتوحات أمر ببناء مدينة بتلك الأرض من أفريقيا، فبنيت مدينتها،

وإنما سميت باسم أفريقيس، وكذلك تسميها بربر اليوم، فأما العرب فتقول أفريقيا».

18

واسم الشام،

19

نسبة إلى سام بن نوح، وأصله في العبرية والسريانية «شام» أو «شم»، كما أطلق

اسم آخر أبناء سام وهو آرام على معظم لبنان وسورية وما بين النهرين، أي آرام النهرين، كما

أنهم أطلقوا على مصر حام، وأما ابنه كنعان فقد سموا به المنطقة الممتدة من الأردن إلى البحر

الأبيض، كما أنهم أطلقوا على لبنان وبشكل خاص على الريف الفينيقي الزاخر بالكنعانيين، كما

أن تسمية اليمن تتصل بيعرب بن قحطان، الذي كناه أباه بأيمن «أن أيمن يا يعرب»، وكان العرب

يعنون باسم اليمن كل ما هو واقع على يمين القبلة؛ ولذلك شملت تسمية بلاد اليمن الشام بأسره.

كما تنسب تسمية أرمينيا - بالاتحاد السوفياتي اليوم - إلى هجرات آرامية يقال إنها وقعت

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٢٦