تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المصرية القديمة.

لذا لم يكن هناك اختلاف طويل بين ما وصل من آلهة ومعتقدات متوارثة من حضارات ممالك كلدة

وآشور وبابل ونينوى في العراق، وهو التراث الحضاري بعامة الذي توارثته هذه الحضارات من

سابقتها الحضارة السومرية اللاسامية، وبين تراث مدينة دمشق.

فكان الإله هدد - أو حداد - هو إله سوريا، وكانت سميرنا التي اتخذت اسمها لقبا - فيما

بعد - الملكة الإلهة سميراميس، التي حكمت وتملكت على بابل.

وهي الملكة التي خالطت الأساطير التاريخ في منشئها واختفائها على السواء، وكان طائرها

المقدس هو الحمامة، ونسب لها تشييد مدينة بابل والحدائق المعلقة، كما نسب إليها السوريون

الأقبية التي عثر على بقاياها بالقرب من نهري بيروت وإبراهيم في لبنان، كما نسب إليها

القديس صفرون الدمشقي أنها هي سميراميس التي سورت مدينة دمشق، ويقال إن سميراميس كانت ملكة

سوريا في منشئها، ثم تملكت بعد ذلك «بلاد آشور وآسيا الصغرى والجزيرة العربية».

ومعنى اسم الآلهة سميرنا؛ أي: أم الحمام، التي منها جاء اسم الملكة سميراميس، أو كاهنة

الحمام؛ ذلك أنها حين ولدت من رحم أم سماوية كانت قد تركتها في الخلاء عقب ولادتها،

فتعهدها بالرعاية سرب من الحمام، كما أنها حين ماتت تحولت إلى حمامة؛ ولهذا تتوحد سميراميس

مع راشيل زوجة يعقوب، وأم النبي يوسف، التي تسمت أيضا بالكاهنة الحمامة.

ولعل هذا يفسر لنا مدى احتفاء الأدب الشعبي بالحمام والغناء له: «ما تطخي يا بندقية، ورا

الحيطة حمام»، وحمام الحما، وعبد العال في ملحمة السيد البدوي يتحول إلى حمامة.

وعندما كبرت سميراميس أحبها وتزوجها حاكم سوريا ورئيس مجلس شيوخها، ولما كانت سوريا جزءا

من العالم الآشوري، فقد رآها الملك نينوس ملك آشور وأحبها خلال إحدى حروبه ببلاد بقطريانه،

حين كانت برفقة زوجها القائد حاكم سوريا. وأحبها ملك آشور وهام بها لأنها لعبت دورا

حربيا هاما رجح كفة الآشوريين في الحرب، فطلب من زوجها حاكم سوريا التخلي له عنها

ليتزوجها ملك آشور الشيخ، على أن يهبه ابنته بدلا منها زوجة له، ولما رفض زوجها القائد:

«إنني أرفض أن أصبح صهرا لملك آشور الذي يسلبني زوجتي»، هدده الملك بخرق عينيه، فكان أن

انتحر زوجها القائد، وتزوجها الملك نينوس، وبعدها قتلته انتقاما لزوجها السابق، واتسعت

فتوحات سميراميس بعد ذلك في فارس والهند وأرمينيا، إلى جانب كل شواطئ البحر المتوسط، وكما

يقول أسطفان البيزنطي، فإن سميراميس فتحت مصر، وزارت الإله آمون - المشتري - لكي تستوضحه

نبوءة عن نهاية حياتها، فأنبأها آمون بأنها ستختفي مثل حمامة، وتفوز من أكثر الشعوب

الآسيوية بتقدير لا يمحى.

وخلاصة القول أن هذه الإلهة السورية سميرنا أو سميرام السورية هذه التي نسب إليها المؤرخ

سترابون أغلب خوارق غرب آسيا؛ تتشابه إلى حد كبير، خاصة في تضمينه قتلها لعشاقها عقب

الجماع، مع الملكة البابلية سميراميس.

كما أن سميرام أو سميرنا السورية هذه تتطابق مع سير أساطير بلقيس ملكة سبأ الحميرية

اليمنية ابنة هود أو الهدهاد بن شرحبيل، وكذلك تتشابه سيرها وحكاياتها مع ما دار حول

«ميرنا» ملكة «الأمازون» الليبيات؛ بحسب روايات ديودوروس الصقلي:

إن ميرنا ملكة الأمازون الليبيات جندت جيشا قدره ثلاثون ألفا من المشاة -

الأمازون - واثنا عشر ألفا خيالة، وطافت أفريقيا، وعندما مرت بمصر صادقت حور بن

إيزيس، الذي كان ملكا متوجا بها، ثم زحفت من هنا على العرب وذبحتهم ذبحة عظيمة،

وعادت بطريق الشمال وغزت سوريا.

أما ما تبقى من تراث وأساطير المدينة الدولة هليوبوليس، أو بعلبك، التي استمد اسمها من

الإله الشمسي بعل، فإنه يؤكد أكثر فأكثر سيطرة التراث العقائدي والأسطوري المصري على

فينيقيا، وبحسب ما يقول عالم الأساطير المقارنة ماكروبولوس، الذي أشاد به فريزر في أكثر من

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٢٣