إلى الدرجة من التوحد والالتئام الذي سارت فيه حضارات الشعوب الزراعية، أو حضارة دالات
الأنهار المتاخمة، في دلتا مصر والعراق وفارس والهند؛ فهي لم تتخط حضارات المدن الدول،
وهو ما كانته الحضارة السومرية التي ترجع إلى الألف الرابعة ق.م في مدن لجش ونينوى والأركاء
أو الورقاء، أو ما أصبحته الحضارة المينوية الموكونية في جزر الأرخبيل أو البحر الإيجي،
والتي توراثتها حضارات المدن الهلينية الدول في أثينا، وآرجوس، وطروادة، فيما بعد. وعلى
هذا، فلقد كان لكل مدينة من هذه المدن الكنعانية الفينيقية تراثها الأسطوري المتميز
والمتوحد - إلى حد - في ذات الوقت.
فمثلا أيدت الكشوف الحفرية في جزيرة قرطاجنة بتونس أنه كان للفينيقيين سكان مدينة صيدا
إله يسمى صيدا، وآخر يعرف بصيدون، كان يكتب اسمه على نقود المدينة الدولة صيدا: «وهو من
نسل صيدون ابن أجبت «أي الأجبتيين»، أو «المصريين» كما يقال إن صيدون هذا جاء من مصر إلى
فينيقيا أول ما جاء، وهزم القبائل الكنعانية التي تسمى بأرض فلسطين، واستوطنها وبنى فيها
مدينة صيدا.»
وفي إحدى الأساطير المصرية القديمة، التي جمعها المؤرخ الهليني «أيسوب»،
14
يبدو أن الإلهين قدم وفينق قد جاءا أول ما جاءا من مدينة طيبة - تيبه -
المصرية، ليتملكا على مدن صيدا وصور، وأن أوزيريس خلال طوافه في الأرض أقام الإله بوصير
ملكا متوجا على فينيقيا.
أما أساطير مدينة صور فتتركز حول إلهها الحامي «بعل شميم الذي أقام بمدينة صور وصنع
الأكواخ من القصب والخيزران والبردي، وجرت له مع أخيه عوس منازعات طويلة، فعوص أو العيص -
كما يسميه العرب - أول من اهتدى إلى اتخاذ الثياب من جلود الحيوانات التي كان يقتنصها
ويقتلها بيديه».
وفي سلسلة النسب العبري يتبدى عوس أو عيسو أو العيص كشقيق توأم ليعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم الخليل، وهو الرجل الأشقر، كما تحدد أوصافه أساطيرهم المتعددة، التي قد تتشابه أو
تتطابق مع قصتنا المصرية المعروفة منذ الدولة الوسطى بقصة الأخوين.
وتحكي أساطير هذين الإلهين الشقيقين التي عثر عليها بمدينة صور أن حريقا هائلا شب في
مدينة صور، فأقام هذان الأخوان الهياكل لآلهتي الريح والنار، وبعدما مات هذان الأخوان - أو
الكبيران - عبدهما أبناؤهما بعد ذلك.
وخلف عوس ابنه دامور - أي النخيل أو التمر - ثم أعقبه هركل أو هرقل «أول من اخترع
الأرجوان وقلد به عشتروت». ويبدو أن هرقل هذا هو أول من غزا جزيرة قبرص وفتحها، «وكان تحت
إمرته مقاتلون من الفينيقيين والعرب والإفريقيين واليونان، وغيرهم»، وبعدها فتح بلاد
اليونان وصقلية، وقتل «فونا ملك إيطاليا الذي كان يذبح الغرباء»، ووهب لابنه «سرد» جزيرة
سردينيا التي تسمت باسمه، وغزا هرقل بلاد الغال - أي فرنسا - وإسبانيا، «حيث التقط تفاحات
الذهب.» وخلال صراعات هرقل الصوري هذا وفتوحاته لدغه التنين ذو الرءوس السبعة، فأشارت عليه
إلهة دالفي بأن يدهن جروحه بورق شجرة تشبه التنين ذا الرءوس السبعة، موجودة في مدن الشرق. وينسب لهرقل الصوري أنه أول من بنى عكا، وذلك بعد أن عثر بها على النبات الذي شفيت به
جروحه الدامية. •••
أما عما وصل إلينا من تراث وأساطير مدينة دمشق أو ما كان يعرف قديما بسوريا العليا؛
فجاء تراثا مخالفا - إلى حد ما - لتراث العالم الكنعاني أو الفينيقي؛ ذلك لأن سوريا كانت
تنتمي إلى القسم الشرقي أو البابلي الآشوري، أي حضارة ما بين نهري دجلة والفرات بعامة في
أغلب أحقابها التاريخية، كذا تواتر إليها وساد تراث ومعتقدات التراث البابلي المتأثر بدوره
بتراث العالم الآري، وبشكل أخص التراث الفارسي المجوسي، أكثر من تأثرها بتراث القبائل
الفينيقية الكنعانية في ربوع الشام وفلسطين، والواقع بدوره تحت النفوذ الإشعاعي للحضارة