بقرون طويلة، أي إن الميثولوجي الهليني جاء كنتيجة شبه مباشرة لنظيره وسابقه الفينيقي، بعد
أن نقله الفينيقيون خلال تجارتهم البحرية الواسعة التي كانت مضرب الأمثال على طول تاريخ
العالم القديم، إلى مستعمراتهم في جزر البحر الإيجى، والساحل الأفريقي عامة.
فالبانثيون الفينيقي هو نفسه البانثيون الإيجي، والآلهة الفينيقية هي بذاتها ما جاءت بها
الكشوف الحفرية القرطاجينية في جزيرتي قرطاجنة في تونس وكريت، مثل بعل هامان والإله أشمون
وأدونيس والإله المصري - بس - إله مصر وغرب آسيا، والبعلة، وكذلك بقية الحكايات والرموز
الفينيقية السحرية مثل «خمسة وخميسة»، والعين الحاسدة، والنفس الخالق. فيقال إن مؤسس أثينا
هو «مكروبس المصري» الذي استوطن في أثينا، وكان ذلك قبل الميلاد ب 1502 عاما، وأثينا هي ما
أصبحت موطنا للعلوم والفنون، بعد أن ألقى فيها مكروبس المصري حياة التمدن، فعرفهم الدين
وسن لهم التزوج بعد أن كانوا لا يعرفونه، وأنشأ محكمة تسمى أريوباجة وكذلك دانيوس، وهو
مصري آخر، أدخل الفلاحة في مملكة أرجوس.
كما ينسب لقادموس الصوري أنه هو الذي عمر مدينة طيرة بإقليم بيوتيا، وعلم أهلها زراعة
العنب وعمل المعادن، كما علمهم الحروف الهجائية.
ويبدو أن الفينيقيين الساحليين سكان المدن الدول صور وصيدا، كانوا إلى جانب كونهم صيادين
مهرة قد اقتحموا البحر منذ عصور قديمة، كانوا صناعا حرفيين، نظرا لعقم الأرض الزراعية،
مما دفعهم إلى ركوب البحر وعدم النفور منه، كما حدث مع المصريين الذين كرهوا البحر، ونفروا
منه، وأكثروا من طرائفهم ووساوسهم عنه، فعده «تابو» وحرم على الملوك والكهنة رؤيته أو
الإقامة إلى جواره.
ومما ساعد الفينيقيين على اقتحام البحر وجود الخشب الذي تصنع منه السفن في غابات جبل
لبنان، فنزحت بعض القبائل الكنعانية إلى جزيرة قبرص ورودس وصقلية وسردينيا، وانتشروا في جزر
اليونان البربرية، وحققوا مكاسب هائلة من تجارتهم الواسعة، فيقال إنه لما كثرت عندهم
الفضة، واستثقلوا حملها في بعض الأسفار، صنعوا منها هلوبا - جمع هلب - لمراكبهم بدلا من
الرصاص.
والغريب أن هؤلاء الفينيقيين اتهموا من جانب جيرانهم القدماء بتسترهم وتكتمهم لما
توصلوا إليه من علوم وخبرات بحرية، احتكروا معرفتها وحجبوها عن بقية جيرانهم المصريين
والبابليين والآشوريين وغيرهم. ويقال إن أحد فراعنة مصر تبنى رحلة بحرية، قام بها البحارة
الصوريون التجار، لاستكشاف قارة أفريقيا، فساروا في البحر ثلاث سنين وطافوا أفريقيا، وعادوا
في نهاية السنة الثالثة من منبع النيل، حتى مصبه، لكنهم بخلوا بنتيجة رحلتهم الاستكشافية
المبكرة هذه على المصريين.
فلقد كانت فينيقيا - في أغلب عصورها - واقعة كلية تحت النفوذ المصري، والبانثيون المصري،
كما سنتناوله بتفصيل أكبر. فيمكن القول بأن مصر القديمة - كمؤثر حضاري - كانت المصدر الأم
الذي عنه حمل الكنعانيون أو الفينيقيون تراثه الحضاري - وأضافوا عليه - إلى حضارة البحر
الأبيض المتوسط، التي تبدت بعد ذلك في حضارة المدن الدول أو الحضارة الهلينية والرومانية
فيما بعد.
وليس هذا بجديد؛ إذ إن أحد كبار مصادر الميثولوجيا أو الأساطير الفينيقية، وهو «فيلو
الجبلي» حاول إثباته، إن لم يكن قد أثبته فعلا، منذ منتصف القرن الأول الميلادي، أي منذ
عشرين قرنا، فلقد كرس هذا المؤلف حياته لإثبات أن الأساطير والتراث الشعائري الفينيقي هو
ما أخذه اليونانيون وأقاموا عليه تراثهم قائلا: «إن اليونان الذين يفضلون سواهم في التمدن
والتحضر، انتحلوا جميع الأخبار والحكايات الفينيقية، ورغبة منهم في أن يخلبوا الألباب
بمحاسن الحكايات الخرافية أضافوا عليها بكثرة لا حد لها كل ما أسعفتهم به مخيلتهم، ومنهم
الشاعر هسيود، وبقية الشعراء الجوالين الذين ملئوا العالم بخوراقهم وحكاياتهم، فهم الذين