مصر، وأفروديت عند اليونان، وفينوس عند الرومان، وكوبيلا عند الحثيين.
يقول نولدكه: «إن الشاعر السوري إسحاق الأنطاكي الذي كان يعيش في أوائل القرن الخامس
الميلادي ذكر احتفاء العرب بعبادتهم العزى أو نجم السباح أو الزهرة - فينوس، كما يقال إنهم
كانوا يقدمون لها التضحيات، فالمنذر ملك الحيرة قدم لها قربانا من الأسرى، وقيل إنه - أي
المنذر - ذبح ابن حليفه المسيحي الملك الحارس قربانا لها.» «إن ربكم يشتو بالعزى لحر تهامة، آلهة فصل الشتاء والاخضرار والخصب والجنس»
1
كما يقول الملك الكاهن عمرو بن لحي.
فكانت العزى آلهة للجنس والإخصاب عند العرب، كما كانت عند البابليين، ويعتبر الحمام
والغزال من طيورها وحيواناتها المقدسة، وهما نفس شعائرها عند البابليين والسوريين
والنبطيين، وكان العرب الجاهليون مغرمين بتشبيه النساء الجميلات بالغزال.
يقول الألوسي: «كانت المرأة من العرب إذا عسر عليها خاطب النكاح نثرت جانبا من شعرها،
وكحلت إحدى عينيها، وحجلت إحدى رجليها، ويكون ذلك ليلا، وتقول: يا نكاح أبغي النكاح قبل
الصباح.» أي إنها تريد الزواج أو المخالطة الجنسية قبل ظهور نجم الصباح أو الزهرة. وتحفل
المواويل والأغاني الشعبية بآلاف القطع الشعرية التي تتغنى إلى اليوم بنجمة الصبح.
ويضيف سميث: أن عبادة الزهرة - أو نجم الصباح - انتشرت في اليمن، وخلال إقامة شعائر
أعيادها كانت تقام الاحتفالات والأفراح المختلطة، أو ما عرف عند معظم الشعوب والأقوام
السامية بالعرس المختلط، وما تزال بقاياه سارية حتى وقت قريب، خلال الاحتفالات بالموالد
المحلية، على طول مصر والعالم العربي، وربما ما تزال أيضا تقويمات العرس المختلط سارية
يجري التعامل بها.
يتضح من هذا أن منابع الميثولوجيا العربية تضرب بجذورها على مدى 6 آلاف عام، أي منذ
السومريين غير الساميين، الذين توارثهم العرب واليهود الساميون.
الفصل الثالث
| أساطير وفولكلور بر الشام
سوريا - لبنان - فلسطين
وإذا ما حاولنا التعرف على القسم الغربي أو الكنعاني للأقوام السامية في سوريا ولبنان
والأردن وفلسطين، الذي يرجعه البعض إلى هجرات سامية، جاءت بالأموريين إلى الهلال الخصيب،
وتألفت من هذه الموجة الكنعانيون، الذين سكنوا غربي الشام وفلسطين حوالي 2500ق.م ...
أما الساحليون منهم فهم الذين سماهم الإغريق بالفينيقيين، أقدم شعوب العالم اقتحاما
للبحار والمحيطات.
وطبعا كان لهذه القبائل الكنعانية أو الفينيقية أسطورتها الأم التي ترسم وتحدد لهم أرض
ميعادهم في الشام وفلسطين بنفس ما حدث مع شقيقاتها - من الأقوام - السامية الأخرى، مثل
أسطورة أرض ميعاد يعرب، التي حددت لها الميثولوجيا القحطانية أرض اليمن أو أرض المر،
«وأسطورة أرض ميعاد قبيلة إبراهيم العبرية في أرض فلسطين، أرض اللبن والعسل»، وكذلك بالنسبة
لأسطورة أرض ميعاد كنعان أبو الأقوام الكنعانية، وهو كنعان بن حام، وخطيئته المعروفة مع
أبيه نوح، والتي بسببها أصبح وجه الحاميين أسود، حين غرس نوح كرما - وكان أول من غرس الكرم
- وسكر من عصيره وثمل وانكشف، فشهده ابنه حام وسخر منه، وعندما عرف نوح لعن كنعان آخر أبناء
حام: «ملعون كنعان عبدا يكون لعبيد إخوته.»
1
وتتفق الأسطورتان العبرية والعربية في أن كنعان انفصل عن إخوته وبقية قبيلته من أبناء
نوح، مثلما حدث قبلا لجده الأعلى قابيل قاتل أخيه ومغتاله هابيل، هام على وجهه يضرب في
الأرض، فبعد أن أصبح كنعان ملعونا طريدا مبغضا من إخوته مر منزويا يطلب وطنا آخر
وأرضا جديدة، فنزل أرض ميعاده «أرض كنعان» أو الكنعانية في لبنان، وانتشر أبناؤه الأحد عشر
في الشام وفلسطين؛ وهم «الصيدونيون» الذين أنشئوا مدينة صيدا، نسبة إلى أبيهم «صيدون»،
والحثيون «أبناء حث»، واليبوسيون «أبناء يبوس»، والأموريون «أبناء أمور»، والجرجاشيون