تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطريق عبد سكان كل مدينة بعلها المتفرد كأنه محلي، وبتوالي العصور دخلت ديانة البعليم لدى

كل شعوب الشرق الأدنى القديمة، فأصبح إلها للسماء، بل إنه توحد بالسماء، وإنزال المطر،

وعرف ببعل شيم عند شعوب آسيا الغريبة، كما توحد مع حرارة الشمس التي منها ينبت النبات

ويكثر الإخصاب، كما أن من ألقابه التي عرف بها إله التنبؤ، ومن اسم بعل جاءت تسمية البطل

القرطاجني هانيبال، وقرطاجنة كانت من أقدم المستعمرات الفينيقية، كما أن من أسمائه الأخرى

بعل قبيلة جاد، وبعل زيفون، وبعل زيبوب أو الذباب، كما أن البعل توحد بالإله السومري الذي

توارثه الساميون وهو الإله ميردوخ أو مردوك، والذي أصبح الوريث الشرعي لسلطان الإله الآشوري

آشور الذي تضاعف نفوذه عقب اضمحلال آشور، وكان يعرف باسم «بعلو».

يقول «أورث» في كتابه «ديانة البعليم» إن بعل العبري هو بنفسه الإله «هبل» إله قبيلة قريش

في مكة ... وقال: وفي اعتقادي أن عبادة البعليم ليست بعبادة فلكية أو تنبؤية في منبتها الأصلي؛ ذلك

لأن علم النجوم لم يعرف في آسيا الغربية قبل عصر الآشوريين والكلدانيين.

ويرى المستشرق نولدكه: أن اللقب الإلهي بعل - أي السيد أو الزوج - كان معروفا لدى الساميين الشماليين،

وعنهم توارثه عرب شبه جزيرة سيناء، فعرف عندهم باسم «بعلو»، ووجد في النقوش عقب

أسماء الأعلام مثل «عبد البعلي» و«أوس البعلي» و«جرم البعلي».

يقول ابن حزم إن في بعض كتب اليهود تفسيرا لتيه بني إسرائيل مع موسى في سيناء «حتى ماتوا

كلهم، إنما كانت لأن فرعون كان قد بنى على طريق مصر إلى الشام صنما سماه بعل صفون، وجعله

طلسما لكل من هرب من مصر، يحيره ولا يقدر على النفاذ منه.»

ويرى نولدكه أن عرب شبه الجزيرة العربية، أخذوه عن عرب شبه جزيرة سيناء وعنهم «عرفوه

لفظا ومعنى»، ووجد في التنزيل

أتدعون بعلا وتذرون

أحسن الخالقين .

ويقال إن أول من استقدمه إلى مكة هو عمرو بن لحي الجرهمي، فقد قدم بصنم يقال له

«هبل»، وكان هبل من أعظم أصنام قريش، فنصبه على البئر في بطن الكعبة، وأمر الناس بعبادته،

فكان الرجل إذا قدم من سفر بدأ به على أهله بعد طوافه بالبيت، وحلق رأسه عنده، وكان اسم

البئر التي في بطن الكعبة «الأخسف»، والعرب تسميها «الأخشف»؛ كما يقول الأزرقي في أخبار

مكة.

ونظرا لأن الساميين بعامة قدسوا موارد المياه، واعتبروها مهبط عرش الله، فإن إقامة هذا

الإله الجديد، بعل أو هبل، على بئر ماء يشير إلى علاقته بالرزق والإخصاب عند العرب، كذلك

عرف بكونه الإله واهب النعم، لدى القبائل العبرية.

وكان العرب يقسمون به كرب للأرباب، كما كانوا يضربون القداح عنده قبل إقدامهم على حفر بئر

جديدة، وضرب القداح عند العرب يشير إلى القضاء والقدر والمكتوب والوعد والحظ والقسمة

والنصيب، وغلبة الزمن والدهر، كما كان عندهم آلهة للبخت أخذوها عن الحرانيين.

وينسب لعمرو بن لحي الجرهمي أنه أول من جاء بأصنام هذه الآلهة من الكلدانيين - العراقيين

- والأنباط، ونصبها حول الكعبة.

وكان تمثال الإله «بعل» أو «بيل» عند الكلدانيين والآراميين على هيئة ملك جليل جالس على

عرشه، وعلى هذا تعارف عليه العلماء عندما وجدوه في الكعبة، وعرفوا على الفور أنه إله دخيل

مجلوب من الخارج، يقول الكلبي صاحب كتاب «الأصنام»:

كان - فيما بلغني - من عقيق أحمر، على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته

قريش فجعلوا له يدا من الذهب.

وفي إحدى الملاحم الشعرية الكنعانية عن صراع البعل، كإله للسماء، يتبدى البعل كإله للسماء

«متلحفا بالسماء لباسا»، وتروي قصته كيف أنه أغري بالنزول إلى العالم السفلي، واحتجزته

الشياطين من أعدائه، لكنه قاومهم بنبوته المطلسم، واستطاع أن يعود ثانية إلى عالمه العلوي

«عند قمم أشجار السنط المرتفعة»، كما يتبدى البعل الكنعاني في هذه القصيدة وهو يحيا في خوف

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ١٣