ولقد اتصلت الجزيرة العربية منذ فترات مبكرة بما يجاورها من حضارات زراعية أو نهرية، مثل
الحضارات البابلية والفارسية وحضارات جزر البحر الإيجي ثم الرومان، وأخذوا عنهم الكثير من
تراثهم الحضاري والعقائدي، ولعب قيام مملكتي الحيرة والغساسنة على أطراف الدولتين الفارسية
والرومانية أثره بالنسبة لهاتين الحضارتين المتمايزتين، أي حضارة النهر والزرع والاستقرار،
وحضارة البدو والوبر والإغارة واللااستقرار.
ولقد تبدى هذا التمايز أو التناقض بين الحضر والبداوة في كلا التراثين المدون والشفاهي،
وكذلك تبدى بشكل متواصل في الحياة الاجتماعية للشرق الأدنى عامة، مثل الصراع بين العرب
العدنانيين أو المعديين سكان الحجاز، والقحطانيين سكان اليمن.
فتتبدى أسباب الصراع بين الحضارة والبداوة في الإغارات المتوالية على موارد المياه، وتمثل
هذا الصراع أكثر - فيما بعد - بين عرب أهل المدينة من الأوس والخزرج، وهم يمنيون، وأهل مكة
العدنانيون، ويدور الصراع بين أبناء الأب الواحد مثل صراع بني هاشم وبني أمية بمكة، وعبس
وذبيان من قيس، وبكر وتغلب من ربيعة ... إلخ. ولقد أيدت بعض الكشوف الحفرية المتأخرة ما جاءت
به المصادر العربية عن ملوك اليمن القديمة، الذين يعرفون بالعرب البائدة أو المندثرة، وهي
قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم وغيرهم من القبائل الموغلة في القدم، والتي ما من شك في
أنها ترجع إلى ما قبل الألف الثالث ق.م، وهي القبائل التي أهلكها التناحر القبلي المتواصل
لأسباب غريبة لا تتعدى القحط والجدب والعصبية القبلية العمياء وعبادة السلف؛ فمثلا أفنت
قبائل عاج معاصريها قبائل بني عفير بن لقيم بسبب جور رأس بني لقيم، سالم بن هزيعة، الذي أذل
امرأته شقيقة لقمان بن عاد،
3
وعندما نشبت الحرب بين القبيلتين هزمت قبائل عاد قبائل لقيم حتى أفنوهم عن
آخرهم، ولم يتركوا منهم أحدا إلا امرأة يقال لها صنيعة من بني عمرو بن لقيم، كانت متزوجة
في قبيلة ثمود رجلا من أشرافهم، فولدت له رجلين يقال لهما الوضيع وغانم.
المهم أن هذه المرأة، التي بيدت قبيلتها عن آخرها، عادت فحملت انتقامها، وسارت بولديها
لاجئة إلى «أختها من قبائل ثمود بن عابر بن إرم بن سام، وهم يومئذ أمنع العرب وأعزمهم»،
وتسببت هذه المرأة في إشعال لهيب حرب جديدة انتقامية بين عاد وثمود، «فقتلتهم ثمود جميعا
حتى أفنوهم عن وجه الأرض.»
وطبعا كان لهذه القبائل المندثرة التي نحن بصدد الحديث عنها بقايا أساطيرها العرقية
الضنينة، التي يقول بأن الصحيفة التي أنزلها الله على آدم ثم نوح وابنه سام وابنه عابر
أسلمها بدوره لابنه يعرب، قائلا: «أنت يا بني صاحب الصحيفة، سيقال لك وتقول فاضرب بما في
يديك»، إلى أن تبلبلت الألسن في حادث بناء مدينة بابل وبرجها الكبير، «وانقسمت الألسن إلى
72 لسانا، وأجرى جبريل على لسان كل أمة لغتها»، فنطق الناس بالألسن العجمي والعربي، وأفصح
يعرب بالعربية، وهود أبوه، «أما قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق ورائش؛ فإنهم نطقوا مع
ابن عمهم عابر بالعربية، فأدركتهم بركتها، وشرفوا وتغلبوا على جميع من كان معهم من الألسن،
حتى زهوا على الناس، وظهروا فيهم الطغيان، وأشرفوا على الناس، وكانوا كذلك إلى حين والناس
إذ ذاك ببابل.»
يقول الطبري مؤكدا قدم هذه القبائل إنه وبعد أن خلق الله العالم «خلق مدينتين (عاد
وثمود) بالسريانية، ومرقيسيا وبرجيسيا، ولكل مدينة منها عشرة آلاف باب بحراسهم، ولولا
جلبتهم وضجيجهم، لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب، ومن
ورائهم ثلاث أمم: منسك، وتافيل، وتاريس، ومن دونهم يأجوج ومأجوج».
ومرة أخرى يشير المسعودي بما يؤكد أن بقايا هذه القبائل البائدة أو المندثرة، أي جرهم