تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العربي، أو الأوسط.

كما أن لنا أن نتصور، وما أشقاه من تصور، أنه بينما لم نبدأ نحن بعد في نقل وهضم وتفهم ما

أنجزه العالم المتحضر في مجال حركة العلوم الإنسانية التي هدفها الأول بناء واستثمار

الإنسان، بما يحقق توافقه وتكيفه مع حتميات العصر العلمي الذي نعيشه وما يصطرع فيه من أفكار

اشتراكية، وهي الإنجازات التي حدثت على مدى القرون الثلاثة الأخيرة.

فبينما يدخل العالم الجديد مراحله المذهلة في التوصل إلى مقدمات ونتائج إلكترونية في مجال

دراسة الإنسانيات، لم نبدأ نحن بعد.

ففي الوقت الذي خلع العالم من حولنا أرديته ممثلة في تراثه وموروثاته الجمعية، ووضعها في

حجمها ومكانها وواقعها الصحيح، ربما منذ ما بعد عصر النهضة الأوروبية، والثورة الفرنسية،

وثورات عام 1848، وعصر التنوير أو العقل وهو القرن 18، بظهور واكتمال الطبقة الوسطى،

والتحول من عالم إقطاع القرون الوسطى إلى عصر التنوير، أو من عصور ما قبل العلم والعقل، إلى

العقل وإعادة النظر للإنسان وتناوله، على اعتبار أنه حيوان عاقل، لكن جانبه الحيواني أعمق

جذورا من جانبه العقلي.

فلقد جاء عصر التنوير أو القرن 18 بأكبر ثورة في اتجاه تسيد العقل، والنظر للإنسان على

اعتبار أنه نتاج طبيعي تطوري بعد دارون، ومنذ ذلك القرن إلى اليوم اعتبرت العلوم

الاجتماعية، متضمنة الفولكلور والأساطير فرعا من العلوم الطبيعي، بل إن البعض - ومنهم

رادكليف براون - تعاملوا مع العلوم الاجتماعية، على أنها العلم الطبيعي النظري للمجتمع

الإنساني، أو علم المجتمعات الإنسانية - أو علم دراسة الإنسان وأفعاله - أو علم دراسة

الثقافة، بل وتوصلوا إلى اعتبار الظواهر الاجتماعية، أيا كانت سواء في السلوك اليومي

للشارع ومطباته المقلقة لأصحاب السيارات، والأوتوبيس، والدعارة، أو سلسلة النسب والقرابة أو

الرشوة أو العلاقات العامة، باختصار كل ما يمكن أن يشكل ظاهرة داخل المجتمع، مثل الأمية،

والانفجار السكاني، وأزمة المساكن، وأزمة التعليم، والبطالة؛ كل هذه الظواهر تجيء كنتيجة

مترابطة للبناء الاجتماعي المعين.

باختصار أكثر فإنه إذا ما كان لكل داء دواء، فإن دواءنا وشفاءنا هو في إعادة التدقيق في

تراثنا وعاداتنا، في تركة الأسلاف الغيبية الطوطمية، وإعادة تعرفها - تفليتها - بنفس

القدر والمعدل الذي حققه العالم المتقدم.

وطبعا توصل العالم المتقدم، أو المستهدف للعقل، لمثل هذه النتائج بعد الجهود المضنية

التي أرساها العلماء الاجتماعيون أمثال تيلور، ولانج، وفريزر، ومورجان، وجوردون تشايلد،

ويوسف بيديه، خاصة في موسوعته الكبيرة عن النوادر والنكت والفوازير.

فيلاحظ أنه حتى النوادر والقفشات اليومية، لها موسوعاتها ودراساتها المضنية منذ عصر

التنوير. كما يلاحظ أن الاهتمام بمثل هذه العلوم الاجتماعية وتاريخ الثقافة ازدهر في

أوروبا الاستعمارية، كل هذا الازدهار، كنتيجة للدور الإيجابي والتطبيقي وجانب المنفعة الذي

أسدته هذه العلوم في علاج الظاهرات الاجتماعية، وأحكام تملكها والسيطرة عليها، من ذلك كل ما

يتصل بآفات الأمية، والمساواة بين الجنسين، وكذلك بالنسبة للجنس وتابواته أو محرماته،

وقضايا العلاقة بين المرأة والرجل والتوصل إلى نتائج أكثر إيجابية، وأكثر ارتباطا بالحضارة

وإثراء لها، والتفوق في برامج التربية، والانضباطات السكانية البالغة الدقة، فمعظم الدول

الأوروبية تحتفظ بأحجامها السكانية بالقدر الذي تتطلبه بالضبط، منذ مطلع القرن الأخير حتى

اليوم.

كذلك استفاد العالم المتقدم من تملكه ومعرفته بهذه العلوم، في تفجير أقصى طاقاته

الإنتاجية، وإرساء القدر الكبير من التسامح. كذلك التوصل إلى ميكانيزمات وممارسات جديدة

متمشية مع الحتميات العلمية التكنولوجية - موازية لها في حركتها وثورتها العامة.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ١٠٢