وبالطبع لا يمكن إنكار أن جانبا كبيرا من النشاطات والنتائج التي توصلت إليها هذه
العلوم، قد سخر لخدمة الأغراض والمصالح الطبقية والاستعمارية.
فمنذ مطلع هذا القرن، أكثرت الدول الاستعمارية من
استخدام الخبراء الاجتماعيين، وتعيينهم مستشارين في إداراتها الحكومية، ومن هنا استفادت
الطبقات الاستعمارية من معارف ومهارات أولئك الخبراء، في دراسة العلاقات الاجتماعية،
والصناعية، والعرقية.
فمثلا عن طريق دراسة أحد علماء الأنثروبولوجيا المعاصرين وهو د. شتاين، على الفروق
العرقية في الأسنان وحجم وشكل الفك، استغلت الشركات التجارية الأميركية تصميم أطقم أسنان
مناسبة، وحققت أرباحا هائلة، كذلك بدأ الخبراء يدرسون استعداد الجماعات البشرية المختلفة،
لتقبل أمراض معينة، وألوان معينة، وسلوك محدد، وموسيقى محددة، وأفلام سينما بعينها، وكتب،
وسلع استهلاكية ... وهكذا.
ولعب الخبراء الاجتماعيون دورا هاما في الكشف عن استعداد الجماعات المتباينة لتقبل سلع
ومنتجات متلائمة مع استعداداتهم حتى لتقبل أمراض بعينها.
أي إن في الاستفادة من هذه العلوم المترابطة تحقيقا لمنافع ومصالح تدخل حتما في
الاستثمار العام، كذلك لعبت هذه العلوم الدور الحاسم في التبصير بعنصري الطاقة والمبادرة
وأهميتها في نقل مراكز الحضارة. وهو نفس ما حدث بالنسبة لكل من الولايات المتحدة واليابان،
ففي أميركا - لا يغيب عن ذهن القارئ - أنها قامت على فكرة أو أيديولوجية أميركا أرض وموطن
العالم الجديد، وهي الفكرة التي لم تتخل عنها إلى اليوم وحاولت جاهدة خلع أردية كل ما
يربطها بالعالم القديم، بموروثاته وميكنيزماته وعاداته ومثله المكتسبة منذ عصور ما قبل
العلم، وهذا بذاته هو موجز الحلم الأميركي أو الأيديولوجية الأميركية القومية، ومثل هذا
الفكر وهذا التطور هو بالتحديد ما جعل من أميركا أميركا، حيث لا جاذبية تشدها نحو الماضي
التاريخي حتى بالقدر والمعدل الذي تكونه أوروبا عبر الأطلنطي.
ولنا أن نتصور حجم ومعدلات الاندفاع نحو المستقبل بالنسبة لهذا العالم المستقبلي الجديد،
بالمقارنة مع العالم الثالث أو العالم القديم أو عالم السلف والأسلاف.
فاستنادا على فهم شيخ المؤرخين أرنولد توينبي بالنسبة لعاملي الحضارة، من مستقبلية يأخذ
بها العالم الجديد، في أميركا واليابان وصين ما بعد الثورة الثقافية، ومن سلفية، تغرق
العالم القديم، فتطغي ماضيه على حاضره، وتحيل شعوبه إلى سباحين ضد تيار ومسار الزمن.
ورغم أن توينبي - خاصة في آخر كتبه أو مذكراته «خبرات» - قد عمم فهمه عن المستقبلية
والسلفية، بشكل أبعد من الأيديولوجيا والنظم العقائدية، على اعتبار أن كلا من الدول
الاشتراكية والإمبريالية تأخذ بالقطع بالمستقبلية وتغرقها أحلامها ومخاطرها واقتحاماتها حتى
للفضاء الخارجي.
أي إنها راية واحدة موجزها عبادة المستقبل أو التقدم، يقف تحت لوائها ويأخذ بها العالم
الذي تخلى عن رمم الأسلاف، طمعا في تحقيق أقصى نفع أو تقدم وصل إلى حد إنكار كل شيء فيما
عداه التقدم الذي يتغنى به الشاعر «تنيسون»:
إلا أنني لا أشك أن غاية تجري متزايدة في جميع العصور وأن أفكار الرجال تتسع كلما
دارت الشموس، وما من عبث تلك الأبعاد التي تفصلنا عن منارة الوصول، فلنسر
قدما وليدر العالم العظيم في دروب التغير ذات الرنين، فإن خمسين سنة من أوروبا
أفضل من ألف في الصين.
وطبعا كتب تنيسون أبياته هذه، مبشرا الانفتاح الإمبريالي، عن أن خمسين سنة في أوروبا
تفضل ألفا في الصين، قبل كلتي ثورتيها العظيمتين، السياسية الاجتماعية الاشتراكية، ثم
ثورتها الثقافية، التي انتزعت جذورها السلفية، لتحيلها إلى الصين المستقبلية.
وهذا هو بالضبط مفهوم الثورة الثقافية: نفض تراث العالم السالف أو القديم، وهو طبعا ما