تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المنطقة السامية، حين قدم ابنا نوح حام وسام - بعد الطوفان - قربانهما إلى الرب، وكان

أحدهما وهو حام صاحب زرع، والثاني وهو سام صاحب رعي، فتقبل الله قربان صاحب الرعي، ولم

يتقبل قربان صاحب الزرع، فكان أن حقد الفلاح - قابيل - على شقيقه - هابيل - وأقدم على

اغتياله.

وهي تضمينة أو فكرة أسطورية تتوالى بكثرة شديدة جدا في هذا التراث الطوطمي

القبائلي.

ولعل أقدم أشكالها - 3 آلاف سنة ق.م - جاء بها النص السومري لملحمة جلجاميش، في صراعي

جلجاميش - الفلاح المتحضر - وأنكيدو، الراعي الوحشي الذي تربى مع حيوانات الغابة وشعر رأسه

كشعر امرأة.

كما وردت بنصها في صراع ابني إسحاق: يعقوب - الذي سمي إسرائيل - وشقيقه توأمه عيسو أو

العيص العربي السوري الأردني، موطنه الأول أرض أدوم أو الصحراء الأدومية - التي اشتق منها

تسمية آدم أبو البشر - بالأردن.

كما أنها تتوالى متوارثة إلى ما لا نهاية في ضواحي عرب الجزيرة العربية، بقسميها الشمالي

الرعوي العدناني أو الإسماعيلي، والجنوبي الزراعي - فيما قبل تخريب سدود اليمن - وهي 30

سدا أهمها سد مأرب.

كما تطل برأسها على طول التاريخ القديم السابق للإسلام، وحتى فيما بعد مجيء الإسلام، مثل

صراعي قبائل الأوس والخزرج، من فلاحين ورعاة.

بل إن هذا الصراع حول الزراعة والبداوة يتبدى بشكل واضح جلي في معظم الملاحم والسير

والأساطير، خاصة في سيرة أو ملحمة بني هلال، التي لا تعدو أن تكون امتدادا للصراع بين

الفلاحين والبدو أو اليمنيين «والسعوديين» إلى اليوم.

فأبو زيد الهلالي بدوي رعوي عدناني، بينما خصمه الزناتي خليفة حميري أو قحطاني

يمني.

لذا وعلى هذا لم يتمكن أبدا أبو زيد الهلالي - قاتل آلاف الأبطال - من قتل الزناتي

خليفة، ولم يتمكن من قتله - كما تحفظ الملحمة أو السيرة - إلا قحطاني أو حميري على شاكلته،

وهو دياب بن غانم، الذي تعارف عليه الشعب المصري بالزغبي.

| كلمة أخيرة

ترددت لفترة في إصدار وجهة نظر، أو كلمة أخيرة، يمكن أن تحيط هذه المجموعة من الدراسات

النظرية حول تراثنا الفولكلوري والأسطوري المعاش اليوم، والذي عن طريقه تتكيف معاملاتنا

وحركتنا ومثلنا اليومية على طول هذه المنطقة العربية التي يوحدها الأصل اللغوي الواحد

المتجانس، وطبيعي وبالضرورة تعيد اللغة تشكيل وصياغة الذاكرة والوجدان، وبالتالي هذا

التراث.

ولا يمكن بحال الإمساك بآفاتنا وسلبياتنا وما يفت في عضد أمتنا، من المحيط إلى الخليج

كما يقولون، ما لم نعد النظر العاقل إلى الخلف أو الوراء، فما أحوجنا إلى إعادة النظر

الهادئ العاقل إلى الوراء ... في غضب.

ولا يمكن بحال تحقيق ما نرجوه ونأمله من انفتاح، ما لم نعد نعرف مواطئ أقدامنا، أين نقف

من عالمنا الذي نعيشه بضروراته وحتمياته العقلية العلمية التكنولوجية، أين نقف من إعادة

تدخل وصياغة العقول العلمية الإليكترونية والتكنولوجية الأبعد من الاجتهادات الأدبية، لمثل

هذا التراث الطوطمي المنحدر من الأنتيكات!

وما أبلغ الثقافة الشعبية المضادة، التي تسخر من كل ما هو فعلا أنتيكي أو أنتيكة أو

متحفي أو تحفة.

بمعنى أن كل ما هو قديم أو سالف أصبح اليوم مدعاة للسخرية، في عصر يحتم ممارسات وأفكارا

ومقولات وميكنزمات جديدة.

ومن الصعب جدا تصور حجم الكم من موروثات العالم القديم أو عالم ما قبل العلم، ومعايشتها

لنا عبر أدق دقائق حياتنا اليومية، وأن القطاع الغالب من هذا الموروث العالق أو المعايش لنا

يرجع إلى آلاف مؤلفة من السنين، كما لا يمكن تصور مدى السالب أو العادم الذي يسببه هذا

الاستمرار، ومدى عرقلته لطاقاتنا العقلية والإبداعية والإنتاجية بل والثورية.

ولنا أن نتصور أن هم أوروبا والعالم الجديد عامة الأول ومعاناتها، تكمن في محاولة

التخلص من براثن وموروثات هذا العالم القديم، الذي نحن بؤرته الرئيسية، هنا على أرض شرقنا

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ١٠١