وأشار فريزر إلى وجود هذه الجزئية في ملحمة الملوك للشاعر الفارسي الفردوسي، خلال الصراع بين رستم بطل الفرس وخصمه أسفنديار، فكانت سهام أسفنديار لا تؤذي خصمه رستم؛ ذلك لأن زرادشت كان قد حجب جسده ضد كل أخطار أعدائه، إلى أن دل طائر الرب أسفنديار على مقتل عدوه، وذلك بنشر النباتات في عينيه وإصابته.
وفي هذه الملحمة العبرية عن صراع طالوت وجالوت، والتي مهدت لظهور النبي الملك داود إلى الوجود كقاتل قدري محدد، كذلك البطل الأسطوري المحجب جالوت جبار الكنعانيين الفلسطينيين، فيقال إن النبي صموئيل «ذكر علامة الشخص الذي يقتل جالوت، فاختبر طالوت جميع عسكره فلم يكن فيهم تلك العلامة سوى داود».
كما أن «طلسم» أو «تابو» داود تمثل في قتله لعدوه المحجب جالوت عن طريق انتقائه، أو
19 «انتخابه خمسة أحجار ملس من الوادي»، وتقدم داود مواجها عدوه جالوت وبيده عصا لا غير، وكان قد سبق له رفض ارتداء ملابس الملك شاول وعدة حربه، حتى إنه عندما واجه داود عدوه الفارس المحجب جالوت استفزه جدا منظره، فصرخ في وجهه:
20 «ألعلي أنا كلب حتى إنك تأتي إلي بعصا؟!»
وترد جزئية الأحجار الخمسة التي انتقاها داود وقتل بها عدوه في الميثولوجي العربي بكثرة شديدة، مثل: الطبري والمسعودي والزمخشري وغيرهم، فتضيف الميثولوجيا العربية أن الأحجار الخمسة كانت تمثل: «الله وهارون والأنبياء الثلاثة».
21
فمر بحجر فقال: يا داود، خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل جالوت، فإني حجر يعقوب. ومشى إذ مر بحجر آخر فقال: يا داود، خذني تقتل بي جالوت، فأنا حجر إسحق. فبينما هو ماش مر بحجر فقال: خذني، فإني حجر إبراهيم.
فكان صراع تلك القبائل العبرية الهابطة إلى أرض الميعاد - حوالي أوائل القرن العشرين قبل الميلاد - تحدوها أسطورة أبوية، تخطط لهم وترسم أرض «اللبن والعسل» في فلسطين المغتصبة مجالا لصراعهم الدموي المتواصل مع جيرانهم من السكان الأصليين أو الوطنيين، وهم ما عرفوا ب «الأقوام السبعة» في ربع الشام وفلسطين والأردن، وهي ما كانت تعرف قبلا بأرض الكنعانية أو كنعان الأم، وطليعتها فينقيا أو بلاد الأموريين، وبقية جيرانهم من آراميين وأدوميين نسبة إلى الرجل الأحمر: العيس بن إسحق، واللوطيين وأشقائهم العموينين والموابيين من رهط لوط، وهم الذين خلفوا اسمهم على العاصمة الأردنية عمان.
وكان لمصر بالذات اليد الطولى كمؤثر حضاري راسخ على طول شواطئ البحر المتوسط منذ أقدم العصور، إلى جانب لجوء العبريين إلى مصر والإقامة فيها أكثر من قرنين من الزمن قبل نزولهم واغتصابهم فلسطين الذي نحن بصدده.
بل إن هذه القبائل العبرية كانت تحت التأثير الحضاري العقائدي لسابقيهم من الكنعانيين والفلسطينيين، وما يتفرع عنهم من أقوام وقبائل منذ خروجهم من مصر، ونزولهم المدن والدويلات الفلسطينية، بمعنى أن التأثير المصري انتقل إلى الكنعانيين، وعنهم تواتر إلى هؤلاء العبريين، فلقد
22 «تركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها»، بل إنهم تزاوجوا بهم «فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحيثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء، وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم».
بل إن هناك من يرى أن ثمة
23
رابطة دموية محققة كانت تربط هذه الهجرات للقبائل العبرية، وأنها كانت مزيجا لأصول دموية مختلفة، من بينها الآرامي والعبراني والكنعاني والعربي والمصري، ويرى أصحاب هذا الرأي أنه كانت هناك قبائل عبرانية، إلا أنها كانت
24
أدنى منزلة من حيث وضعها الحضاري والاجتماعي، وهم من تعارف عليهم بالرهط الواطي «عبريم».
وكانوا يقيمون خلف الأردن، ذلك بالإضافة إلى البدو الرحل من الأشدوديين والأدوميين والإسماعيليين، وهم أيضا منحدرون من أصول عربية نصف عبرية، إلا أنهم تبادلوا الزواج بشكل أوسع بجيرانهم العبريين، مثل: الموابيين والعمونيين المنحدرين من لوط بن ناحور العبراني.