أما الآرية فمعناها العشائر؛ ذلك أنهم عندما نزلوا سهول السند والجانج، نزلوا كعشائر قبلية، وعلى هذا النحو هاجروا إلى إيران ثم أوروبا، ومن هنا تشكلت الرقعة اللغوية الآرية التي وصل حماس تيودور بنفي لها إلى حد طرح الرأي القائل بانتماء معظم أصول الحكايات المتداولة على رقعة العالم أجمع إلى موطن أول أم، هو الهند.
وهو الرأي الذي كبر الاهتمام به في ألمانيا ومعظم دول أوروبا الشمالية، إلى أن اكتملت معالم منهج معدل للمدرسة الفنلندية - الفولكلورية - التي أصدرت منذ 1840م أول جورنال متخصص للفولكلور في العالم، واتجه العلماء الفنلنديون منذ البداية إلى محاولة إرساء منهج متكامل حمل اسمهم فيما بعد، وعرف بمنهج «فنش للبحث والاستقصاء»، وعن أصول المواد الفولكلورية خاصة الحكاية، ورائدهم هنا «إنتي آرني» الذي نبه الأذهان إلى أن على الفولكلور كعلم أن يرسي حقله المستقبل المحدد، ويعمل على إنجاز مهماته في هذا الحقل، لا أن يصبح مجرد عامل مساعد أو تابع لدراسة أي علم آخر خارج مجاله كالأساطير.
فهو أول من نبه إلى أهمية البحث عن جذور ومنابع الحكايات النمطية، من تاريخية وجغرافية، كما أوضحت دراسة آرني أن لكل حكاية مفردة تصميمها الخاص بها وموضوعها الموحد، بالإضافة إلى الانتقادات القومية التي وجهها لنظرية تيودور بنفي الشرقية عن المنابع الهندية لأنماط الحكايات، فأثبت أن الكثير من الحكايات تنتمي لمختلف المجتمعات بعامة، ومنها بالطبع المجتمعات الأوروبية منذ العصور الوسطى.
وألقى آرني كثيرا من الضوء على تيه وهجرة وتبادلات وتزاوج أجزاء الحكايات الشعبية من الشرق إلى الغرب.
وحدد الأشكال والملامح والخصائص المحلية للكثير من الحكايات النمطية.
كما أنه استطاع أن يحرك زمن ومولد بعض الحكايات الشعبية عن أقدم مصادرها ونصوصها الأثرية الحفرية إلى أزمانها التاريخية المؤكدة أكثر.
من ذلك أن كثيرا من الحكايات النصية التوراتية، التي تحدد عمرها بإمكان العثور على أزمانها، مهاجرة من أصولها الأكثر قدما، سواء أكانت الدولة القديمة في مصر الفرعونية، أو تراث ما بين النهرين بعامة من سومري وبابلي وآشوري وفينيقي وكنعاني، أو تراث الجزيرة العربية خاصة الجنوبي-القحطاني.
ويمكن القول بأنه كان للفنلنديين اليد الطولى في اكتمال النواة أو اللبنة الأولى للمنهج الجغرافي التاريخي للبحث والتنقيب والاستقصاء عن موطن وعمر وهجرة المواد الفولكلورية، وبشكل أدق: هجرة وتغيرات هذه المواد أو العناصر في أدنى جزئياتها التي أمكن التوصل إليها وحصرها، فالحكاية التي نسمعها يمكن تقسيمها أو تشريحها إلى أفكارها وجزئياتها الرئيسية، ثم الجانبية أو المساعدة.
من ذلك أفكار خلق المرأة من ضلع الرجل، وتوحد الخالق بالماء والبحث عن ماء الخلود، والرحلات العبورية، والضربة الواحدة للبطل «ضربة الرجال ما تتناش» - لا تثنى - وهكذا.
فنظرا لغياب وافتقاد مثل هذا المنهج التاريخي، خاصة من جانب الدارسين العرب في حقل فولكلورنا، ونظرا لما يتطلبه هذا من إلمام كاف بالشفاهيات ثم بالمدونات الحفرية لروافد الحضارات السامية المتتابعة التوالي الزمني التاريخي، والتي لا ينقطع لها المجيء بالاكتشافات النصية الجديدة في معظم أرجاء الوطن العربي، الذي شهد مولد الحضارات الأولى، خاصة فيما بين الرافدين.
نظرا لغياب مثل هذا المنهج، تتعثر محاولاتنا الدراسية في مجمل أنشطة وحقول الفولكلور العربي المترامية، وأخصه الحكاية التي تميزه كواحد من أهم ثلاثة خزانات كبرى كونية.
المعوقات والمناهج العربية المغلوطة
يضاف إلى مشاكل ومعوقات دارس التراث العربي، سواء فيما يتصل بضياع وافتقاد المصادر الأم المدونة، أو تعددها، أو الجدب العام بالنسبة للدراسات النظرية والتطبيقية الميدانية كما وكيفا؛ أي من حيث جزئيات ومكونات وديناميات تركتنا الفولكلورية العربية، ولتوقفنا على مدى ما يعلق بها من رواسب وآثار بربرية عبودية ووحشية همجية، ما تزال تمارس متواترة هائمة بتمامها.