ويلي غياب النظرية العلمية الثورية في التعامل مع هذا التراث مشاكل الإهمال الذي تعانيه الجهود الميدانية لجمع أشلاء هذا التراث، باستثناء بعض الجهود المحلية العربية في العراق وسوريا وتونس والمغرب والأردن.
فمشكلة قلة وندرة المواد الخام - التي تسهم حين طرحها للمقارنة في المزيد من إنارة طريق البحث والاستقصاء - تأخرت كثيرا، على المستوى القومي العربي.
ثم تأتي مشكلة المشاكل المتصلة بالمناهج القاصرة المغلوطة، وما تفرضه من منع وتحريم يصل إلى حد الإرهاب في بعض المجتمعات والكيانات العربية، بالإضافة إلى افتقاد معظم الباحثين في هذا المجال للمنطلقات العلمية البديهية إلا بعد إدراكها من العقل الغيبي، والمتجاوزة للمنتجات الروحية، وتكبيلها المعوق للبحث المنهجي العلمي.
يلي هذه مشاكل المصنف، أو الدارس، ذاته بإزاء مواده؛ نظرا للتداخل الشديد بين جزئياتها من رئيسية وجانبية، وهو ما يعرف بالتزاوج والهجرات الداخلية لأعضاء أو جزئيات الحكايات، فتصل هذه الهجرات الداخلية إلى حد التداخل بين جزئيات السير والملاحم مع الحكايات بأنواعها، فما أكثر حجم الجزئيات والتضمينات
14
المهاجرة من السير والملاحم والقصص الشعرية الاستطرادية إلى الحكايات والخرافات المحلية، والعكس طبعا أكثر دقة.
ومن هنا فأي محاولات للتصنيف والأرشفة قابلة على الدوام للتعديل والإعادة، سواء بالنسبة للحكايات النمطية أو لجزئياتها، كما أن من الأجدى والأكثر تصويبا أن لا نتمادى في الأخذ والنقل الجاهز لما أنجز في مجالات التصنيف والأرشفة والتنميط بالذات، فالمطلوب هو ما يفيد حركتنا العربية الوليدة، وكذا بالنسبة للتمييز بين الحكاية الخرافية وما يشاكلها من أنماط أخرى، من حكاية يطلق عليها شعبية وأخرى للبطولة وثالثة أسطورية تتصل بالعوالم الفوقية للآلهة، ثم الحكايات الطوطمية التي تجري على ألسنة أبطالها وشخوصها من حيوانات وزواحف ونباتات، وهي ما تعرف بالفابيولا، فهي مأثورة حيوان أو نبات لها غرضها الأخلاقي، ومن خصائصها قصرها ودقة بنائها وتصميمها المنسق مع مضمونها التعليمي، وهي هنا أقرب إلى المثل المتداول، وأشهر أنماطها حكايات إيسوب ولقمان الحكيم، خاصة مع أسرة التسعة الشهيرة، وكذا حكايات ومأثورات فراعنة مصر ونماردة العراق وعمالقة فلسطين.
صحيح أن من واجبنا - في محاولة البحث المنهجي لفولكلورنا وتراثنا العربي - عدم إغفال ما أنجز في هذا العلم من مشاكل التصنيفات والمناهج، بدءا بهجوم الأخوان جريم وسميث تومسون، والمنهج الفنلندي، والمدرسة الشرقية، والجهود الأيرلندية، إلا أن كل هذا لا يبعدنا عن نقطة انطلاق عربية في محيطها السامي، لإعادة التعامل مع التراث بما يحقق فائدة أكثر قومية وأكثر تجاوزا لما سبقنا من جهود، وأخيرا بما يحقق فائدة أكثر مباشرة لما نعانيه من قضايا التنمية، وأخصها العقلية.
فلتكن نقطة الانطلاق المتخلصة من شوائب ومعوقات الذهن الغيبي التهويمي، المنتكس في كل حالاته، والمحبط بمخاوف تدفع به إلى كل اختباء ورومانتيكية وهروب. وليكن واضحا أن هذه الثقافات المتبقية أو الموروثات هي بذاتها ما تشكل الجانب الأعظم حجما وكيفا بالنسبة للتراث العربي بعامة، وعيون كلاسيكياته وشعائره، مرورا بأدبه الرسمي؛ الوسيط، والمعاصر، والحديث.
بل هي تشكل مجمل البنية الأنيزمية الطقسية بدينامياتها وأدق خلجاتها، بدءا بتعاويذ وإيماءات الشعائر اليومية، وتابوات الطهارة والنجاسة، والمرأة الطامث، والطفل حديث الولادة، والاتصالات، ومنها مصافحة
15
الرجل الطاهر للأنثى في عمومها ككائن نجس، كما هو معروف ومتفق عليه خرافيا.
باختصار، فكما أوضحت في محاولاتي الدراسية السابقة لهذا التراث من المدخل النظري، أميل إلى استخدام بعض المناهج الأكثر أحقية وفائدة، ومنها المنهج البنائي، في شمولية فهمه للظاهرة وأبعادها وعلاقاتها المتشابكة، وأبرزها بالطبع التركيبات الاجتماعية الطبقية.