كما وردت هذه التحولات في معظم النصوص العشتروتية السامية، خاصة معظم تنويعات نصوص ملحمة جلجاميش، الذي رفض الاستجابة لمطاردة العشتروت له لكي يبادلها الحب؛ لأنها سبق أن نكلت بعشاقها الستة، فما يزال زوجها الأول الشاب الجميل «تموز» يبكي سوء طالعه، أما عشيقها الثاني الراعي، فقد أصبح طائرا مكسور الجناحين يبكي
4
عبر الغابات «كابي» أي وا جناحاه، وتحول العشيق الثالث بعد مسخه إلى أسد مطارد، أما الرابع فمسخ في صورة حصان يضربه الناس بالسياط فيركض سبع ساعات مضاعفة، ومن خصائص هذا العشيق الحصان أن لحافزه في الوجدان الشعبي - حدوة الحصان - قدرة اتقاء الحسد وإثارة المياه، أما العشيق الخامس فتحول إلى ذئب مطارد من الرعاة والكلاب، وكذلك تحول عشيقها السادس من بستاني جميل إلى طائر جارح.
ويبدو أن هذه التحولات كانت أقرب إلى أن تكون ممارسات شعائرية، فهي عادة - كما يقول كراب - ما يتوفر لها كخرافة شرط جوهري واحد، هو أن تكون حكايات متقنة جيدة ممتعة، منطقية في بنائها، تحمل إلى الناس غاية أخلاقية بصرف النظر عن محلية هذه الغاية.
فإذا ما كانت هذه الغاية - مثلا - عدمية أو نهلستية، تصب اللعنة على سقوط الإنسان وفساد طبيعته بإزاء إخلاص الحيوانات وزواحف الأرض في الحكايات البوذية الآرية، فهي حكاياتنا السامية العربية - والمصرية بشكل أخص - تضيف بعدا اجتماعيا.
ومن هنا فالرحلة العبورية الاجتماعية للبطل الخاسر أو المحكوم عليه بالسقوط ومهانة الفاقة والذل، بإزاء هذه المقولة أو المأثورة الشعائرية العربية: «إن من يشبع ينطح»، أو «جوع كلبك يتبعك»، والكلب هنا مرادف للإنسان البسيط المهان.
وهو مأثور شريف له مرادفاته - ولنقل: توالده الذاتي - داخل تراث السلف الصالح، سواء في حالة استبدال «كلبك» بجملك أو ثورك في المثل المعروف «اللي يشبع ينطح»، وهي فكرة أو جزئية تتردد بكثرة في حكاياتنا الخرافية المصرية والعربية بعامة كما قلنا، حيث يستبدل الكلب بالرعية والشعب.
ومن تكرار مثل هذه المقولة بأساليب وأغراض وابتكارات مختلفة، سواء من حيث الاستعارات الحيوانية الطوطمية، أو سواء أكانت بشرية إنسية لها أيضا منظورها الطبقي، كأن يأخذ العبد أو الخادم والأجير عامة مكان «الكلب» والجمل والثور، ولكل حيوان منهم بالتالي دلالته الأنثروبولوجية، وهو ما ليس موضوعنا هنا، سوى أن الغرض هو في الوصول إلى أن تكرار هذه المأثورة العربية داخل رقعة الحكايات العربية يؤكد دورها الطبقي الاستراتيجي، فلا بد أنها كان لها دورها في البنية الاجتماعية للكيانات العربية على مختلف ما يتعاقب عليها من أنماط قهر وانسلاب، سواء في المجتمعات الرعوية «أصحاب الوبر» أو الزراعية «الحضرية».
فهي مثلا في حكايات مصر والسودان والجزيرة العربية أكثر حدة ومباشرة عنها في سوريا وفلسطين وما بين النهرين بعامة، كما لاحظت في أنماط الحكايات التي من هذا النوع.
ففي حكاية «نية الملك»، التي - كما هو مألوف - يتنكر فيها الملك ووزيره ويجوبان رعيته ليلا متنكران، وما أن يستضيفهما رجل موسر في حديقته المزهرة، ويقدم لهما رمانا شهيا (مع ملاحظة أن الرمان هو الفاكهة المقدسة لأدونيس وتموز الإله الممزق لسوريا العليا وما بين النهرين بعامة)، فرغم أن المضيف يشيد بنية الملك الطيبة لشعبه أمام الملك المتنكر ووزيره، إلا أن الملك
5
يضمر حقدا للمضيف الموسر، ويصدر أمره بزيادة الضرائب المفروضة على الشعب الذي ازدادت الأموال في صناديقه تحقيقا بالطبع لذات المقولة: «من يشبع ينطح».
وتمر سنوات خمس يزور بعدها الملك ووزيره الرجل الغني مرة أخرى ويطلبان رمانا، فيقدمه لهما ضعيفا ضامرا مع رأي المضيف في الملك الذي تغيرت نيته نحو شعبه، وبالتالي تغيرت وتبدلت أرزاق شعبه.