تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا النموذج السوري الأكثر إيجابية يستعيد الملك نفسه ويراجعها فيرفع الضرائب والأثقال عن شعبه.

وفي حكاية - فرفشة - سورية أخرى، أجدني أميل إلى اعتبارها محلية: عن الأربعين درويشا وزعيمهم الغني من الحشاشين الذين هالهم أن الحالة في المملكة «فلتانة» ولا ضابط ولا رابط للأسعار والبيع والشراء، ففرضوا إتاوة على الموتى، حتى ابن السلطان أخذوا منه «رسم فلتانة مائة جنيه»، وعندما استدعاهم السلطان أخبروه بأنهم وجدوا اهتزاز الأسعار وانفلاتها، فقرروا عمل رسم فلتانة على الموتى، وفي النهاية ضحك السلطان ووظفهم مراقبين للأسعار لإصلاح حال الناس.

وهو نموذج نادر للسخرية من التسعيرة الودية كما يتضح.

وكما هو معروف فهناك اتفاق على معاداة العرب الساميين من عرب وعبريين لفراعنة مصر، ونماردة بابل، وعمالقة الشام وفلسطين وما بين النهرين عامة، ومحاربتهم واعتبارهم خارج النسل السامي والسخرية منهم، كما يتضح في حكاية سورية عن فرعون الذي كان يقتل عجائزهم، فدبر له العجائز - مسخرة - أناسا يفركون أيديهم الفارغة في الهواء كمن يفركون فريكا أو قمحا أخضر في كفوفهم ويسفونه، وعندما يسأل فرعون - أو فرع عون - أحدهم أجابه بطل الحكاية: «إننا نحصد، ومما نحصد نأكل.»

وطبيعي أن يحس الملك بأن وراء هذا الملعوب «عجوزا حكيما»، فيطرح أمامه بدوره لغزا؛ أن يأتيه غدا «راكب وراجل ومنتعل وحاف»، وإذا فشل فسيقتله هو وجده الذي يحل له اللغز على النحو التالي: بأن يذهب للملك بحذاء لا نعل له، وحمار صغير - أتان

6 - يركبه ماشيا.

ولا تخرج الحكاية المصرية عن جذورها السائدة السامية في عدائها لفراعين مصر، ونماردة بابل، وعمالقة الشام وفلسطين المعروفين بالعماليق أو بني عمليق.

وإن كانت الحكايات المصرية والكثير من النماذج اللبنانية والسورية تفرق وتعزل إلى أقصى نقيض بين الفرعون والملك (ولا ملك إلا الله) أو الأمير.

فبينما الفرعون طاغية يتوحد بالشر والحمق والبين والشؤم والنجاسة، فإن ملمح الملك هو ظل الله.

وتتطابق هذه الجزئية المصرية في معاداة فراعنة مصر - خاصة الثلاثة الذين عاصروا التواجد العبري في مصر وهم: فرعون إبراهيم مختطف سارة، وفرعون يوسف الذي أصابته لعنة السنوات السبع العجاف، وفرعون موسى الذي يفرد بطون الحوامل ويقتل الأطفال - بما يطابق بينها وبين أنماطها في العراق ووادي الرافدين بعامة في عداء النماردة، وهم ستة

7

نفر: الأول نمرود بن كنعان بن حام بن نوح، وهو الذي ملك الدنيا، وهو صاحب إبراهيم، والثاني نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وهو صاحب النور، وأمه من نسل أخنوخ؛ أي إدريس.

وأخيرا فما يهمنا هنا هو أن في تحولات أبطال الحكايات الخرافية - تبعا لمفهوم شعائر الانتقالات كما أشار إليها «فان جنيب» - ما يشكل ثراء رائعا يسانده الكثير من المهارات والذكاء، خاصة في تصدي الوجدان الشعبي الفولكلوري العربي للقوى التسلطية من فراعين طغاة، وملوك وحكام وآلهة، يفتقدون إلى الحكمة والذكاء والمهارات التي تفيض بها قدرات بسطاء الناس العاملين.

الفصل العاشر

| علاقات قرابية وزواج

أجدني حريصا في تناولي لتراثنا العربي السامي في كل مرة من مدخله الاتصالي الأسري القرابي القبلي.

وهو كما سبق إيضاحه منطلق صحيح طالما أن الخصيصة الاستراتيجية له - أي هذا التراث العربي السامي برمته - قبائلية في المحل الأول.

وطبيعي أن لا يقتصر بحثنا عن البنية القرابية أو القبلية على ميكانزم العلاقات بين الجماعات القرابية كالبدنات وفروعها العائلات الكبيرة، والبدنة - كما يعرفها الأستاذان إيفانز برتشارد وفورتس - وحدة دائمة تظل موجودة على مر الأجيال؛ نتيجة لانضمام أفراد جدد إليها، أو تركهم لها بالموت أو أي سبب آخر، فالبدنة أو العمارة جماعة ترد انتسابها إلى جد واحد في خط واحد، ومنها بالضرورة يستمد الشخص مركزه السياسي والقانوني.

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٦٧